عزيزي محرر مساحة للاعتراف:
أرجو أن تسمح لي باختيار عنوان هذه الحكاية التي تفيض جوانبها بشاعرية مرهفة مع مزيج من الحب الصافي، وخلاصة الكبرياء حتي تبلل كل هذا بماء الإصرار والعناد وتحول إلي قصة أسطورية نهايتها تثير الحيرة والشفقة.
وقد رشحت هذا العنوان وأرجو أن يروق لك.
'تحت أنقاض الحب'
ولعل هذا يتسق مع تصوري وتصور كثيرين من العاشقين والشعراء أن الحب بناء تجري من تحته الأنهار وتحفه نوادر الأشجار، غرفه يجري ظاهرها من باطنها لكأنه مقاطعة في جنة عدن اختص الله بها العاشقين دون غيرهم ليهنأوا ولينعموا بالحب علي أنغام دقات القلوب الراقصة، ولكن رغم روعة هذا البناء ومتانته إلا أن هزات عنيفة بمقياس ريختر حولته إلي حطام ضحاياه أسرة كاملة..
مسرح الأحداث، هنا في حدائق القبة عندما كان الحي شاعريا بفلله الساحرة وسكانه المترفين من رجالات الفن والشعر والكورة بل والسياسة وكان أقرب جار لي هو الشاعر العملاق مرهف الحس أحمد رامي، في شقة متواضعة بهذا الحي عشت أيام الصبا وشقاوة الشباب وكنت رغم لوني الأسمر معبود البنات فبيتنا يتوسط مربعا سكنيا وتطل شرفته علي كثير من بيوت الجيران ومع سهر الليالي أثناء المذاكرة كان لي علاقات غرامية متعددة حتي أصبحت أشهر دون جوان لا يشق له غبار ولا يستعصي عليه قلب عذراء.. في هذه الأثناء التحقت بمدرسة سراي القبة الفنية الصناعية وعلي محطة السراي وقعت عيناي علي شقراء جميلة في لون الفل عندما تبلله قطرات الندي في الصباح الباكر فتوقفت كل أجهزة الحركة واضطربت ضربات القلب واندفعت نحوها اندفاع الفراشة إلي النور تتراقص بأجنحتها الزاهية.. واستخدمت السلاح السحري الأول.. خفة الدم وحولت عربة القطار الذي نركبه إلي مسرح للكوميديا أضحك الجميع بمن فيهم هذه الجميلة التي لان جانبها سريعا إعجابا بخفة دمي.
وبدأت قصة الحب بلقاء يومي في الثامنة صباحا علي محطة القطار بالدمرداش ومرة ثانية في الثانية والنصف مع العودة شوق وغرام تعدي مرحلة الإعجاب بكثير حتي انتهينا من دراستنا المتوسطة وفورا عملت بشركة في محافظة ساحلية مع الإقامة الجبرية هناك فازداد الحب اشتعالا وتوهجا وفي يوم الخميس تقف في الشرفة ساعتين تنتظر 'صفارة' الموعد ثم نتقابل في لهفة تفضحها العيون وتشابك الأيدي كأنها شجرة اللبلاب ولا أخفي أنني لاحظت امتعاض كثير من الناس ولسان حالهم يقول: إش جاب لجاب بنت في لون ورائحة زهرة الفل مع ولد أسمر تبدو عليه آثار رقة الحال.. ومعهم كل الحق.. فحبيبتي 'بنت ناس' مستوي بلغة العصر فوالدها مهندس كبير في بلد عربي وأخوها برتبة لواء والثاني في إيطاليا وشقيقتها في أمريكا ومسكنها في أهم وأعرق شوارع حدائق القبة علي الإطلاق مع علية القوم.. بينما أنا مختلف في ظروفي تماما.. فوالدي شاويش مطافي وأخي الأكبر محام غير مشهور والأوسط ضابط صغير.. وبدأت الحسبة العائلية وانتهت إلي استحالة الزواج بيننا.. أهلها ينظرون إلي عائلتي بامتعاض وفي صدورهم كبر عظيم وأهلي عندهم من الكرامة ما يمنعهم من وضع أنفسهم في موضع إهانة ورفض.. أهلها منعوها من الخروج فاكتفينا أن تقف هي في الشرفة في الدور العاشر وأنا أجلس علي الرصيف المقابل بالساعات تمتد من العاشرة صباحا وحتي المغرب أتناول قليل الطعام علي الرصيف لأنعم بالنظر إليها ورغم بعد المسافة كانت صورتها مطبوعة في قلبي وصوتها مسجلا في أذني يدور بيننا حوار يروي ظمأ أشواقنا ثم أعود إلي عملي بعيدا لأعود بعد 15 يوما حتي سرقت فرصة والتقينا وعرفت أن الخطٌاب من إيطاليا وأمريكا طرقوا بابها وطلبوا يدها مع وعود بحياة رغدة في ولايات أمريكا ومقاطعات إيطاليا.. وتهتز الأرض من تحتي وأكاد أسقط من الصدمة وتتساقط دمعات حزينة تفضحنا أمام المارة من جديد فالشارع موعدنا دائما.
وفي أحد اللقاءات قررنا مواجهة جبهة الرفض التي اعتمدت العنصرية منهجا لها.. وفعلا أخبرت أمها إذا لم أرتبط بحبيبي فإما الانتحار أو العنوسة!
ورضخ أهلها واقتربت ليلة العمر علي مضض منهم وفي أثناء عقد القران التقي أهلي وأهلها وجها لوجه وبعد دقائق اشتعل الخلاف وبعده مشاجرة خرج أهلي من بيتها وانصرف أشقاؤها أيضا وتركونا وحدنا وتم الفرح في كازينو بمصر الجديدة بمعرفة 3 أصدقاء فقط ومنه إلي مسكننا بالمرج وبعد عام رزقنا بالبنت الأولي ثم محمد ثم بنت ثالثة وكانت حبيبتي قد أتمت دراستها بالبكالوريوس مع العمل وبدأ الحب يفتر ويتلاشي رويدا.. رويدا.. مع عصبيتها التي لا تطاق وبدأت تعيرني بأهلي حتي انتهت إلي توبيخي فيما يستحق وما لا يستحق.. حتي مات الحب وانتحرت أشواقنا ولكني صبرت حتي دخلت ابنتي وابني كلية في القمة ومع الأيام زاد نفورها وتمادت في عصبيتها وعدوانها وأيضا توبيخي أمام الأولاد حتي فوجئت يوما بابني طالب الصيدلة يتعدي علي بنفس ألفاظ أمه وطريقتها فانهرت تماما وجلست دقائق ثم خرجت إلي الشارع هائما علي وجهي أبحث عن مكان يؤويني!
المعذب ع . ب المرج
عزيزي ع . ب:
لا أظن أن اعتداء ابنك عليك رغم كونه عقوقا وأي عقوق شيء مستغرب فأنت الذي سمحت للزوجة أن تلومك وتوبخك ولو بغير سبب. أمام أولادك ورغم روعة قصة الحب هذه لكن تبقي لي كلمتان: الأولي حفظتها من ديوان العرب.. أصون كرامتي قبل حبي.. والثانية تبرز عظمة وفقه الإسلام عندما اشترط الكفاءة في الزواج والإمام مالك جعلها شرطا في صحته ولذا فكل زواج لا تتوافر فيه الكفاءة عمره قصير وفاشل.