د.أحمد يوسف مدير المعهد العربي للدراسات العربية :
العرب في مفترق الطرق !
الرئيس مبارك والملك محمد السادس والعقيد القذافي خلال جلسات المؤتمر
وفاء الشيشيني رغم ما قيل أو أشيع أنها قمة التطبيع مع الدولة الإسرائيلية.. فإن قمة الجزائر 2005 لم تتنازل عن قرارات قمة بيروت .2002 وفشل الاتجاه صاحب المبادرة الغامضة في أن يقنع الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل قبل أن تفي بالتزاماتها للفلسطينيين في استحقاقات عملية السلام.. ولكن ، نفس القمة ، لم تكن إيجابية بالقدر الكافي فيما يخص التهديدات الموجهة ضد سوريا والمخططات التي تعد للمنطقة العربية ولكنها في نفس الوقت أكدت علي مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول حتي وإن رفعت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان.. أما الشأن العراقي فكان حاضرا علي مائدة القمة ولكنه لم يلق ما يستحقه من اهتمام لخطورة الوضع هناك وذلك لسرعة اعتراف الدول العربية بالاحتلال الأمريكي للعراق وما يترتب عليه من وضع قانوني وواقعي.. انه العصر الأمريكي الذي ندفع ثمن انفراده بالقوة.. تلك كانت جزءا من تحليلات د.أحمد يوسف رئيس المعهد العربي للدراسات العربية وأحد أهم المتخصصين في الشئون العربية حول قمة الجزائر..
وقد بدأنا الحوار مع د.أحمد بسؤال حول ماقيل عن القمة العربية قبل انعقادها بأنها ستكون قمة التطبيع.. ورأيه في ذلك في ضوء نتائجها.
يبدو أنه كان هناك من يريد أن تكون قمة الجزائر قمة التطبيع ولكن من حيث النتيجة الأخيرة فأنا أري أنه لم يحدث أي تغيير يذكر في موقف العرب من تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بموجب مبادرة بيروت 2002 لأنه كما هو معروف في هذه المبادرة أن التطبيع مرتبط بوفاء إسرائيل بالتزاماتها وفقا للحد الأدني للمطالب العربية الذي هو الجلاء عن الأراضي التي احتلت عام67 وتفكيك المستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس إلي آخره.. ولكن يبدو أنه كانت هناك أفكار لجعل الدول العربية تفي ببعض التزاماتها في موضوع التطبيع قبل أن تفي إسرائيل بالتزاماتها ويبدو أنه أشيع أن هذا الكلام كان مرتبطا بالمبادرة الأردنية ولكنه حتي الآن فإن المواطن العادي لا يعرف نص ومواد هذه المبادرة علي الإطلاق. وقيل من ردود الأفعال لها أنها تسير في اتجاه التطبيع. ورد الأردنيون أنها ليست مبادرة التطبيع ولكنها لتفعيل المبادرة العربية وقد اتهم وزير خارجية إسرائيل بعد انتهاء القمة، الأمين العام وبعض الدول العربية المتشددة بأنها عرقلت المبادرة الأردنية ولكننا لا نعلم كمواطنين عاديين مضمون هذه المبادرة المهم أن قرارات القمة والبيان الختامي في رأيي الخاص لم تتضمن أي تنازل أو تعديل عن مبادرة بيروت 2002 وهذا في حد ذاته شيء إيجابي أن نتمسك بالطرح الذي كان موجودا من قبل!!
ولكن ما معني تمسك العرب بمبادرة بيروت ولم يتم تفعيل أي قرار يخصها حتي الآن وماذا كان رد فعل إسرائيل عليها؟
ليست مبادرة بيروت 2002 وحدها التي لم يتم تفعيلها ولكن كثيرا من القرارات التي يتم اتخاذها من القمم العربية لا تجد طريقها إلي التنفيذ علي سبيل المثال فمنذ سنوات والقمة العربية تؤيد حق الإمارات في الجزر المتنازع عليها مع إيران ومع ذلك فالوضع لم يختلف حتي الآن. بالمثل قبل مبادرة بيروت كانت هناك مبادرة (سيت) 1982 أي منذ حوالي ربع قرن وكانت تنص أيضا علي قرارات تضعها الدول العربية ويضمنها مجلس الأمن لتحقيق السلام مع إسرائيل ولم يتحقق شيء وهذا الأمر مستمر حتي الآن!!
في رأيك لماذا لم يتم طرح موضوع الأزمة السورية اللبنانية علي أهميتها في القمة وهل لأنه قيل إن كلا من الدولتين طلبتا عدم المناقشة تحت شعار أنها مسألة خاصة وداخلية ما بين الدولتين؟
أنا شخصيا من الناس الذين توقعوا عدم مناقشة القمة لهذا الموضوع لأكثر من سبب فأولا أن مجلس الجامعة علي المستوي الوزاري الذي انعقد في القاهرة بفترة وجيزة لم يناقش الموضوع وكان هناك حساسية خاصة تجاه هذا الشأن وخصوصا أن كلتا الدولتين أي سوريا ولبنان لم تطلبا ذلك من المجلس وهذا يقودنا إلي السبب الثاني وهو أنهما أيضا لم يطلبا معا بحث الموضوع في القمة وأتصور أن هذا قد يكون راجعا إلي تخوفهما بأن إثارة الموضوع في القمة لن يحظي بمساندة كثيرة للموقف السوري واللبناني الأمر الذي يضعهما في الموضع الحرج بمعني أن لايحصلا علي تأييد عربي لموقفهما لأن تأييدهما في هذا الموقف يعتبر تحديا للسياسة الأمريكية وهو تحد لا تقدر كثير من الدول العربية أن تفكر فيه. هذا في تقديري هو الذي جعلني أتصور أنه لن تتم مناقشة هذه الأزمة وبدلا من ذلك فقد قررت (قمة الجزائر) وقبلها (قمة تونس) مساندة سوريا فيما يتعلق (بقانون محاسبة سوريا) الذي أصدره الكونجرس الأمريكي دون تطرق للتطورات الأخيرة!!
أفهم خوف بعض الدول العربية من أمريكا. ولكن إذا تعاملنا بمبدأ المساواة بين الدول. فلا يمكن أن نطلق علي الوجود السوري في لبنان (احتلالا) وهو قائم تبعا لاتفاقية الطائف وهناك احتلال أمريكي للعراق حديثا واحتلال إسرائيلي لفلسطين قديما.. فلماذا التحرج من إعلان رأي الجامعة الذي سوف يكون حبرا علي ورق كالعادة؟
أحب أن أؤكد أولا أن الموقف السوري من الناحية القانونية قوي للغاية لأن سوريا موجودة بلبنان بطلب طوعي للحكومة اللبنانية وليست موجودة بالغزو والاحتلال كما هو حال القوات الأمريكية في العراق أو القوات الإسرائيلية في فلسطين وبالتالي هناك شرعية للوجود السوري في لبنان.. كذلك هناك قوي سياسية كثيرة حاصلة علي أغلبية من البرلمان تؤيد الوجود السوري ولكن توازن هذه الضغوط الأمريكية الفرنسية وقوي المعارضة اللبنانية التي تلح علي الخروج السوري من لبنان وهذه ليست قضية قانونية وإلا كنا تحدثنا عن أمثلة لاحتلالات أخري ولكنها قضية سياسية.. لأن الولايات المتحدة في تصورها لمستقبل المنطقة تري أن أي دولة تعترض علي أي سياسة لها مهما كانت بسيطة لابد أن تعاقب بشدة وبالتالي وبما أن وجود سوريا في لبنان مرتبط بحكومة لا تقبل السياسة الإسرائيلية وتعترض علي السياسة الأمريكية ومرتبط بوجود (حزب الله) ومواقفه المعروفة من إسرائيل فلابد أن يحدث تغيير في المعادلة من وجهة النظر الأمريكية وأولي خطوات هذا التعبير هو الخروج السوري من لبنان. بهذا المعني فانني أتوقع أن المسألة لن تتوقف عند الانسحاب السوري فقط.. إنما سيتبعه الحديث عن نزع سلاح حزب الله!! وأيضا أعتقد أن القمة (تذرعت) بعدم مناقشة المشكلة اللبنانية السورية بأن السوريين بدأوا انسحابهم فعلا وينوون تكملته إلي الآخر لذلك فلاداعي لمناقشة الموضوع في القمة وهذه وجهة نظري!!
ألم يكن واضحا للقمة أن الهدف الأساسي من الأزمة اللبنانية هو نزع سلاح حزب الله بما يمكن إسرائيل في أن (تبرطع) في الأراضي اللبنانية خاصة بعد خروجها المخزي من الجنوب تحت ضربات حزب الله وهو الانتصار العربي الوحيد علي إسرائيل في الثلاثين سنة الماضية بعد حرب اكتوبر؟
كما قلت إن كثيرا من الدول العربية خشيت بشدة أن تأخذ موقفا معارضا للسياسة الأمريكية ولذلك أنا أتصور أن القمة بدلا من أن تتخذ موقفا صريحا في تأييد كل من الموقف الرسمي اللبناني والسوري وتأييد حزب الله، فاختارت أن تتجاهل المشكلة أصلا حتي لا تضع نفسها في حرج مع الولايات المتحدة الأمريكية.
هل تطرقت القمة العربية إلي موضوع التدخل السافر لأمريكا في الشئون الداخلية للدول العربية، حتي أنها أعلنت بجرأة أنها سوف تنشيء مكتبا لنشر الديمقراطية في كل سفارة أمريكية حتي تتابع مجري الإصلاحات في هذه الدول؟
لقد أتت قمة الجزائر بالمواقف العامة المعروفة التي سبقتها إليها قمة تونس بأن الإصلاح مطلوب ويتم بمعرفة الدول المعنية حسب ظروف كل دولة إلي آخرة.. ولكن طبعا لم يكن هناك اعتراض صريح علي التدخل الأمريكي في كثير من الشئون الداخلية!!
إذن نفس الشعارات تتردد في كل قمة ولا نتيجة؟
لا فيما يخص موضوع الإصلاح فهو لم يتردد في القمم إلا بعد غزو أمريكا للعراق والحديث عن إسقاط نظامه.. لذلك فإن أول قمة تعرضت لموضوع الإصلاح كانت قمة 2003 وكان موقفها رفض أي تدخل أو تغيير في النظم العربية الذي يأتي من الخارج وإن الشعوب العربية هي المكلفة بإحداث هذا التغيير.. كذلك في قمة تونس (2004) تحدثوا عن التغيير وإنه يتم تبعا لظروف كل دولة وتكرر في قمة الجزائر نفس الموقف.
نأتي إلي الشأن الفلسطيني.. قيل إن أحد أهداف نزع سلاح حزب الله هو تمكين إسرائيل من تنفيذ أهدافها من توطين الفلسطينيين حيث هم وتتخلص بذلك من مشكلة اللاجئين فهل أثير هذا الموضوع الخطير في القمة؟
لقد أخذت القمة موقفا صريحا من التوطين وهو لحسن الحظ أمر لا يحتاج أي متابعة أو عقوبات.. لأن الدول العربية بنفسها هي ضد التوطين من منطلق مصالحها الخاصة وعلي سبيل المثال يرفض لبنان توطين 400 ألف فلسطيني لأنه يخل بالمعادلة السكانية فيه وكذلك غالبية الدول العربية ترفض التوطين لأنه يتم إسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلي أراضيهم.. لذلك هذا القرار من القرارات التي يطمئن الإنسان أنه سوف يحدث نوع من الالتزام فيه!!
وهل وضعت القمة نوعا من العقوبة علي الدول التي تهرول للتطبيع بعيدا عن قرارات الجامعة لما فيه من انتقاص من الموقف الفلسطيني في مطالبته لحقوقه؟
التطبيع وفقا لآخر قرار للقمة يفترض أن يحدث بعد أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة وأن تقوم الدول الفلسطينية وعاصمتها القدس وتفكك المستوطنات ويعود اللاجئون، بعض الدول لم تنتظر هذا، ويعتبر هذا التصرف خروجا علي روح ونص قرارات القمة لأن مواقف القمة في السنوات السابقة وتحديدا في قمة القاهرة 96 والقاهرة 2000 وكلها تشير إلي أنه إن لم تتعاون إسرائيل في عملية السلام فإنه لابد من وقف أي إجراءات تطبيعية معها وقد ينذرع البعض بأن إسرائيل قد أبدت مرونة في تفاهمات شرم الشيخ ولكن أعتقد أن الوقت مازال مبكرا لنقول إن إسرائيل قد التزمت بهذه التفاهمات نصا وروحا.
هل تري أنها قد قدمت مرونة وتفاهمات بعد شرم الشيخ ونفذت بما التزمت به؟
أنا أقول إنه قد يقال إن بعض الدول العربية (المطبعة مع إسرائيل) أقرت أن هذه الأخيرة قد قدمت تنازلات في لقاء شرم الشيخ وإن مصر والأردن قد أعادتا السفيرين إلي إسرائيل، لذلك نحن أيضا سوف نعود إلي إجراءات التطبيع معها وأنا رأيي الخاص أنه من (المبكر للغاية) أن نتحدث عن أنها التزمت في مواقفها بتفاهمات شرم الشيخ نصا وروحا!!
فعلا.. حتي أنها لم تلتزم حتي الآن بقضية الأسري
لأن تفاهمات شرم الشيخ لم تتعلق إلا بقضية غزة وحدها ولم تتعلق بجوهر القضية الفلسطينية ونريد أن نعرف علي وجه التحديد ماذا تنوي إسرائيل أن تفعله فيما تبقي من المسائل الشائكة في القضية الفلسطينية.. طبعا نحن نعرف بطبيعة الحال موقفها منها ولكننا أقصد أننا نريد أن ننتظر حتي نتبين أن إسرائيل علي مواقفها السابقة وبالتالي لا مبرر علي الإطلاق في المضي في التطبيع معها في هذا الوقت!!
هل كان للعراق مكان في القمة العربية أم أن الانتخابات قد وضعت مشروعية علي الاحتلال الأمريكي؟
لا.. كانت العراق حاضرة في القمة ولكن تناول موضوعها جاء من منطق العملية السياسية التي خططت لها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لأن الدول العربية قد ارتضت منذ سبتمبر 2003 في اجتماعات المجلس الوزاري لمجلس الدول العربية في أن يمثل العراق في الجامعة بالنظام الذي أنشأه الاحتلال بعد غزو العراق، وطالما أن الدول العربية قد قبلت هذا فإن ممثل الحكومة العراقية كان موجودا في مؤتمر القمة وبالتالي لا نتصور من القمة علي الاطلاق أن تأتي بأي خطوة تسير بعكس العملية السياسية التي جرت في العراق بالتخطيط الأمريكي فلا ننتظر مثلا أن تؤيد القمة حق المقاومة العراقية أو أن تعترض علي ما يجري في العراق لأنها تقبل بالحكومة العراقية ممثلا لشعب العراق.. كما أن القمة قد رحبت بالانتخابات العراقية.. كما أنها كررت المواقف التقليدية عن استقلال العراق ووحدة أراضيه إلي آخره!!
إذن ما هو رأيك الشخصي.. التحليلي لتناول القضية العراقية في القمة؟
أنا رأيي معروف.. وهذا التناول غير صحيح لأن ما يجري في العراق لن يؤدي إلي الاستقلال ولا الاستقرار لأن المعادلة تشير إلي هذا، وأنا أتصور أنه كان علي الدول العربية أن تحاول البحث عن مبادرة لكي تكون فاعلة ومؤثرة في الشئون الداخلية العراقية وفي تطور الأحداث في العراق ولكن من الواضح أن الدول العربية لا تري في نفسها الحاجة لفعل ذلك.
ألم تر قمة الجزائر والجامعة العربية أن السيناريو العراقي يتكرر الآن مع سوريا وأن القرار 1559 هو نفس القرار 1441 بالنسبة للعراق.. لا تدرك الخطورة التي تحيق بسوريا الآن، والتي هي خطورة سوف تصيب المنطقة بأسرها؟
السؤال يجب أن يطرح بالطريقة الآتية.. ماذا نقصد بالجامعة العربية فهل نقصد الأمانة العامة؟ إذا كان كذلك فطبعا هي متنبهة للخطورة فإن الأمين العام عمرو موسي وكلماته تشير إلي قمة اليقظة في إدراك ما يجري من تخطيط لهذه الأمة وما يحيط بها من مخاطر ولكن المشكلة أن الجامعة العربية لا وجود لها في ذاتها ولكن كيانها مستمد من الدول العربية وسياستها وواضح أن الدول العربية لا تري أو لا تريد حتي الآن أن تتدخل لا في الشأن العراقي ولا في الشأن السوري!!
إذن ما جدوي الجامعة العربية الآن، إذا كانت لا تتدخل في المشاكل ولا تحمي دولة ولا تنفذ قرارا ولا تعاقب من يخرج عن الإجماع العربي؟
لقد سبق أن قلت إن الأمانة العامة تنفذ سياسة الدول الأعضاء فإذا كانت هذه الدول لا تتخذ قرارات فعالة فليس أمامها أي الأمانة العامة أن تفعل أي شيء.. الجامعة العربية تعد البدائل وتطرح التصورات وقد تقدم مقترحات ولكن القرار في النهاية بيد القادة العرب سواء علي مستوي القمة أو القرار الوزاري.