أوحشتني الكتابة لمجلتي المحبوبة آخر ساعة.. فقد مررت بظروف صعبة توقفت فيها عن الكتابة لإجراء عملية جراحية كبيرة وخطيرة.. لكن الناس من حولي كانوا يشجعونني.. أقاربي وأحبائي وأصدقائي.. الذين بفضل دعواتهم وصلواتهم استطعت أن أجري العملية بشجاعة.. وتركت نفسي بين يدي الله ومبضع الجراح الذي سافرت إليه لإجرائها في اليونان.. فهو في مصر لا يجري عمليات إلا للأطفال.. إنه الرجل العظيم المتواضع مجدي يعقوب.. ظللت في مستشفي اليونان عشرة أيام. إن شعب اليونان شعب (عشري) يحب الناس.. القليل منهم يعرف الانجليزية.. ومع ذلك أصبح لي منهم أصدقاء يتصلون بي ليسألوا ويطمئنوا علي صحتي..
رجعت إلي مصر.. ومكثت بالعناية المركزة خمسة وثلاثين يوما ذقت فيها معني الألم.. لكن أملي في الله.. وحب من حولي أعطاني جرعة من الأمل في الشفاء.. أما الدكتور العظيم مجدي يعقوب فقد كان يتتبع حالتي كل يوم من الخارج.. فشكرا لله وشكرا لأحبائي يوأصدقائي وشكرا للدكتور مجدي يعقوب..
***
خرجت من العناية المركزة يوم وفاة الفنان العظيم نجم النجوم أحمد زكي.. حزنت عليه كثيرا.. فقد عاصرته منذ بداياته.. وكنا أصدقاء.. قال لي في أحد اللقاءات في منتصف رحلته مع الفن : 'أنا معملتش حاجة.. وخايف العمر يمر بي من غير ما أعمل حاجة.. أنا في بطاقتي الشخصية فنان.. عاوز أفضل لآخر لحظة فنان فأنا أحب هذه المهنة ولي ذكريات سعيدة وذكريات مؤلمة.. لكن الألم يذوب مع السعادة'..
ورحل أحمد زكي في عز عطائه الفني.. وظل لآخر لحظة من حياته فنانا عندما أصر وهو في عز المرض تمثيل حياة عبدالحليم حافظ التي تشبه حياته..
هذا الفتي الأسمر اليتيم الذي عاش حياة بائسة.. هذا الفلاح الميكانيكي القادم من الزقازيق صنع نفسه بنفسه وأصبح نجم النجوم..
كان أول لقاء بيننا بعد أن شاهدت مسرحية مدرسة المشاغبين.. كان الدمعة الحزينة في هذه الكوميديا.. لم يكن يمثل.. ولكنه قدم حياته الحقيقية التي مست قلوبنا دون أن نعرف عنه شيئا..
جاء إلي مجلتنا آخر ساعة.. وجلسنا أكثر من ساعة يحكي لي عن حياته.. أحسست بالصدق في كلامه. كما أحسست أننا نعرف بعضنا من زمان.. فهو إنسان صريح دخل الفن لأنه يحبه.. وليس ليكون نجما..
عاش يتيما بلا أب.. وتزوجت أمه لتتركه عند الجدة ولما ماتت الجدة ظل الفتي الأسمر يتنقل بين بيوت الأقارب الذين كانوا يعاملونه كيتيم.. لم يحس بعطف الأب ولا حنان الأم التي لم يرها إلا في سن السابعة من عمره.. وكان يذهب إليها أحيانا يزورها وقد أنجبت أولادا وبنات فيحس بالغربة بينهم. وحين التحق بالثانوية الصناعية بعد حصوله علي الاعدادية.. اكتشف فيه ناظر المدرسة موهبة التمثيل.. وكان الرجل يحب الفن ويقدره.. فأسند إليه بطولات مسرحيات وإخراجها.. وأحب الفتي الأسمر الفن الذي أخذه من دروسه.. فهو في ذلك الوقت مشروع ميكانيكي وحينما رآه نخبة من أساتذة السينما في مسابقات الثقافة الجماهيرية.. قالوا هذا الفتي إذا التحق بمعهد الفنون المسرحية سيكون فنانا كبيرا..
وفعلا ترك الزقازيق بعد حصوله علي الثانوية الصناعية التحق بالمعهد وكان ترتيبه الأول في امتحانات القبول. ذاق المر لكي يعيش في القاهرة غريبا كان يعمل ويدرس في نفس الوقت..
لم يكن يهمه أن يقدم أفلاما ومسرحيات لمجرد الانتشار.. لكنه أراد أن يعيش عصره ويقدمه.. شخصيات موجودة بيننا.. كانت الناس تري فيها نفسها.. واتجه إلي حياة الزعماء لكي يجسد لنا التاريخ.. لم يكن أحد من أجيال الشباب يعرف كثيرا عن عبدالناصر وعن السادات.. كان يريد أن يعيش ليقدم لنا التاريخ المصري عن طريق الزعماء.. (الضربة الجوية) للرئيس حسني مبارك.. وحياة الزعيم سعد زغلول وغيرهما..
كانت بداية انتشاره حين قدم مسلسل (الأيام) واستطاع أن يجسد حياة طه حسين وكأنه بعث من جديد علي الشاشة الصغيرة والتي قالت ابنته.. لقد رأيت وعشت حياة والدي علي شاشة التليفزيون..
لم يكن يهمه جمع المال.. ولكن كان كل اهتمامه منصبا علي حياة المصري العادي والمهمش.. وكأنه يريد أن يصنع لنا التاريخ المعاصر بشكل جميل..
استطاع أحمد زكي أن يغير مفهوم الفتي الأول الحليوة ذو الشعر المسبسب فهو لا يتمتع بوسامة النجوم.. فتي أسمر اللون ذي شعر مفلفل.. دخل السينما في وقت صعب.. فقد رحل صناع النجوم مثل رمسيس نجيب الذي كان آخر فتي شاشة قدمه هو محمود عبدالعزيز. ليفتح هو الباب للموهوبين.. وليس فقط أصحاب الشكل الوسيم.. كان يحس أن حياته قصيرة.. فكان يتسابق مع الزمن ليقدم فنه الجميل.. لكن القدر لم يمهله لينفذ كل ما يريده.. لكنه ترك لنا ثروة قومية.. لقد رحل نجم النجوم عن حياتنا.. لكنه سيظل في قلوبنا..