|
|
| السنة - | 3692 | ه - العدد | 1426 | جمادي الآخرة | من | 21 | - م | 2005 | يوليو | من | 27 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
02:22:23 ك |
 |
الساعة - |
 |
25/07/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| فنون |
 |
|
|
السفارة في العمارة ..
ماذا تفعل عندما يكون السفير الإسرائيلي جارك ؟! أزمة عادل إمام في 'السفارة' وأزمة عماد حمدي في 'ثرثرة علي النيل' !!
ماجدة خير الله
 | | عادل إمام.. وميسرة في مشهد من الفيلم |
|
فيلم جديد لعادل إمام، لا يمكن أن يمر مرور الكرام. فالأقلام تحتشد وفي نيتها إما الهجوم عليه وكأنه واجب قومي مقدس أو الهتاف والتهليل له وكأنه أيضا واجب مقدس!! وفي كل الحالات لا تستطيع أن تتجاهل الحديث عن أفلام عادل إمام. فهي تفتح الشهية للجدل والمناقشة، وتعيد للموسم السينمائي بريقة وترحمنا من الاستغراق في التفكير في سوء حال السينما وأزمات المضحكين الجدد الذين أتلفوا حالها.. ولكن من أين نبدأ الحديث عن السفارة في العمارة؟ هل أتحدث عن موضوع الفيلم والقضية التي يطرحها؟ أم عن أهمية تقديم فيلم سياسي يحول الأحداث اليومية التي نسمعها ونقرأها ونشاهد بعض تفاصيلها علي شاشات التليفزيون إلي مادة طريفة وأحداث مضحكة ومؤثرة في نفس الوقت. أم الأفضل أن نتحدث عن قيمة الكوميديا في حياة الناس، والفرق بين محاولة زغزغة الجمهور بأساليب رخيصة تخلو من أي إبداع أو ابتكار. وبين إضحاك الناس من خلال مواقف متصاعدة وشخصيات من لحم ودم تضعها الظروف في أزمة ما تسبب لها ارتباكا.. ويؤدي الارتباك إلي ضحكات؟ أم الأفضل أن نتحدث عن عادل إمام؟ هذا النجم الذي استطاع بموهبته وذكائه أن يحافظ علي نجاحه طوال ثلاثين عاما. قدم خلالها عددا صعبا أحصاؤه من الأفلام الجميلة القيمة! والأهم من ذلك أنه تعثر فنيا أكثر من مرة، ولكن قدرته علي تجاوز عثراته تستحق أن تكون مادة تدرس لنجوم هذا الزمن. الذين يتساقطون بعد فيلم أو أثنين علي الأكثر؟ في الحديث عن فيلم السفارة في العمارة إجابة علي أسئلة كثيرة وطرح لأفكار لابد لها أن تنطلق من مخيلة البعض لتصبح مادة للنقاش وتحريك المياه الراكدة في بحيرة الفن الآسنة!!.
بعض الذين يكتبون نقدا يستوقفهم كثيرا ملامح الشخصية التي يتمسك عادل إمام بتقديمها في أفلامه، وهي شخصية الدونجوان أو 'بتاع النسوان' الذي له تأِثير طاغ علي النساء فيتساقطن تحت أيقدامه! رغم تقدمه في السن. وهي ملحوظة في محلها ولكنها ليست لب الموضوع، وأعتقد أن عادل إمام الذي استمد نجاحه وشعبيته من خلال تجسيده لأحلام البسطاء الذين يقفزون من القاع للقمة، كما في أفلام حتي لا يطير الدخان، المولد، بخيت وعديلة أو تحديه للأقوياء وأصحاب السلطة كما في الغول والمنسي والأفوكاتو، وسلام يا صاحبي، واللعب مع الكبار أو تحديه حتي لسلطة الدول كما في الإرهاب والكباب والنوم في العسل إلخ فهو أيضا يجسد حلم ملايين الرجال المحبطين جنسيا أن تكون لهم غزوات نسائية وعلاقات متعددة!! أعتقد أن مصر رغم سوء الأحوال الاقتصادية من أكثر الشعوب التي تستهلك الفياجرا والأدوية الجنسية المنشطة، إنه الحلم أو الوهم الذي يسعي إليه من لا يملكون إلا متعة الجنس الشرعي وغير الشرعي لتعويضهم عن إحباطات متكررة في مجالات العمل وتحقيق الذات! هؤلاء يجدون في التفوق الجنسي لبطلهم الشعبي عادل إمام متنفسا، وفرصة للتعبير عن رغبات مكبوته قد لا يستطيعون تحقيقها في الواقع خوفا من قيود اجتماعية أو دينية فيكون البديل التوحد مع البطل السينمائي الذي انتخبوه ليعبر عن أحلامهم في كافة المجالات. ولذلك يسرف عادل إمام أحيانا في تقديم نموذج الدونجوان أو زير النسا، ورغم أن هذا النموذج الإنساني يسمح بتقديم مواقف كوميدية متنوعة إلا أنه في نفس الوقت يعطي فرصة للهجوم علي عادل إمام لمن يهوون أو يحترفون الهجوم عليه بسبب أحيانا ومن غير سبب غالبا ومع ذلك فهذا ليس بيت القصيد في فيلم 'السفارة في العمارة' الذي يعتبر أهم أحداث هذا الموسم السينمائي شئنا أم ابينا! فلا يزال عادل إمام يتمتع بقدرة عالية علي إثارة البهجة والاعجاب. والجدل. وهي ميزة لا تتوفر لغيره.
أنا بكره إسرائيل!
لا أعتقد أن هناك وقتا محددا يعبر فيه المواطن عن كراهيته لإسرائيل! فيكفي لهذا المواطن سواء كان مصريا أو عربيا أن يتابع نشرات الأخبار ويري بعيني رأسه المجازر التي يرتكبها جنود إسرائيل ليل نهار ضد أطفال وشباب ورجال ونساء فلسطين حتي يصرخ وهذا أضعف الإيمان قائلا أنا بكره إسرائيل. ولكن بعض الأفلام المصرية اتخذت من فكرة الهجوم علي إسرائيل وسيلة سهلة وركيكة للادعاء بتقديم فيلم سياسي. رغم أن أحداثها لم تكن تنبئ بهذا الانقلاب المفاجئ.. وهو تقليد ركيك لما قدمه مدحت العدل في فيلم 'صعيدي في الجامعة الأمريكية' الذي كان من الأفلام الأولي التي تفتعل قضية سياسية لتوحي للجمهور والنقاد أنهم أمام فيلم يطرح قضايا مهمة، وليس مجرد فيلم للاضحاك؟ وكان طعما التقطه الجميع، ولكن عندما تكرر في أفلام أخري لم يعد له معني ولكن في السفارة في العمارة، كان يجب أن يشعر المواطن شريف خيري أو عادل إمام بكراهية لإسرائيل وكان يجب أن يعلن عن كراهيته بصوت مسموع وبأقصي درجات الصياح والاعتراض ، فإسرائيل بالنسبة له لم تكن عدوا بعيدا يمكن أن يتجاهله ويعيش في أمان!! ولكنها كانت تطبق علي أنفاسه وتهدد حريته الشخصية وأمانه، وذلك من خلال سفارتها التي شاءت الأقدار أن تكون ملاصقة له في الجوار الباب في الباب والحيط في الحيط، والاستفزاز يومي وحتمي، لا تستطيع أن تتجاهله أو تتعايش معه أو تعتاده وكان منطقيا أن يخرج شريف خيري أو عادل إمام لينضم إلي صفوف الشعب الغاضب ويؤكد أنه يكره إسرائيل، ولكن هذا الانقلاب الذي يحدث في شخصيته لايحدث فجأة، وإنما عبر عدة خبطات علي باب عقله ووجدانه تجبره علي الخروج من حالة البلادة واللامبالاة الوطنية إلي حالة المشاركة الشعبية والإحساس بالهم العام واليقظة.
هل كان لابد أن يموت إياد؟
من أهم مميزات فيلم 'السفارة في العمارة' أنه أختار البطل شخصية عادية جدا، لا علاقة له بما يحدث في الشارع السياسي، بل إنه يتجنب الاهتمام بأي قضايا عامة تشغله أو تعكر مزاجه، وشريف خيري الذي نسج شخصيته السيناريست 'يوسف معاطي' مهندس بترول يعمل في دبي منذ أكثر من عشرين عاما.. يبدو سعيدا مستقرا وليس لديه أي احساس بالحنين للوطن مثل آلاف وملايين المصريين الذين يعيشون في الخارج ولا يربطهم بمصر إلا جواز السفر وعلاقات مع بعض الأهل والأصدقاء ربما تدفعهم للسؤال عن أحوال الوطن من حين لآخر، وهؤلاء لا تستطيع أن تشكك في وطنيتهم أو تجبرهم علي اتخاذ مواقف بطولية عنترية بلا معني فالإنسان وطنه هو الذي يوفر له لقمة العيش والأمان، المهم أن شريف خيري الذي يقضي أوقاته في حقول البترول حيث العزلة وصعوبة المناخ لا يجد متعة في الحياة إلا النساء!! ومن أجلهن يتم طرده من عمله بعد أن يتورط في علاقة مع زوجة مديره الأجنبي ويعود عادل إمام إلي مصر مضطرا، بعد سنوات طويلة من الغربة، ويترك خلفه بعض العلاقات والصداقات التي كونها وأهمها علاقته مع زميله الفلسطيني أبو إياد وابنه الطفل الجميل إياد 12 سنة الذي تربطه بعادل علاقة صداقة حميمة تجعلنا نتوقع تماما ما سوف يحدث فلم يستطع السيناريست يوسف معاطي أن يخفي أوراق اللعبة!! وهي إحدي نقط ضعف السيناريو المهم أن شريف خيري أو عادل إمام يعود لشقته في القاهرة التي تركها من أكثر من عشرين عاما، ويلحظ بمجرد دخوله العمارة الفاخرة التي تقع أمام حديقة الحيوان، أن هناك قوات من رجال الأمن يسدون عين الشمس، بل ويطلبون منه فتح حقائبه، وترك جواز سفره! يندهش الرجل من تلك الإجراءات المعقدة التي تسبق السماح له بدخول شقته!!.
وعندما يختلي بنفسه ويبدأ في فتح شبابيك منزله الذي غطته خيوط العنكبوت، ليشم نسيم مصر يفاجأ بأول صدمه، علم إسرائيل يرفرف من الشقة المجاورة ويكاد يلطم وجهه، ويدرك أن الإجراءات الأمنية المتشددة التي تعرض لها كانت من أجل وجود السفارة في العمارة، ثم تبدأ سلسلة من المنغصات التي تحرمه من الاستمتاع بحريته الشخصية، فقد تم تجريد شقته من أي شئ ممكن أن يستخدم في العنف ضد السفارة الإسرائيلية أنبوبة البوتاجاز اختفت، سكاكين المطبخ، الشوك الملاعق الولاعة!! والأهم من ذلك أن قوات الأمن تقف علي باب شقته وفي كل دور وشبر في العمارة. ولم يكن صعبا أن يدرك أن بقية سكان العمارة قد طفشوا وتركوها خاوية حتي لا يصبحوا جيرانا للسفارة الإسرائيلية!!.
يلتقي عادل إمام في الاسانسير مع السفير الإسرائيلي دون أن يعرفه، ويعبر عن ضيقه وضجره وقرفه من فكرة وجود السفارة في العمارة، مما يزعج السفير الذي يتقدم بشكواه لمسئول الأمن الذي يتدخل بدوره لدي المواطن المصري الوحيد الذي يقطن العمارة ويطلب منه ألا يضايق سيادة السفير بشكواه منه ويعده أن ينفذ له طلباته التي تضمن له إقامة طيبة في ظل وجود السفارة الإسرائيلية!! وبعد عدة مواقف كوميدية تنشأ عن فكرة وجود خصمين لدودين في مكان واحد واضطرارهما للتعايش السلمي أو ادعاء التعايش السلمي تبدأ حالة صحوة لشريف خيري،، مثل تلك التي حدثت لعم 'أنيس' أو عماد حمدي أحد أهم أبطال فيلم 'ثرثرة علي النيل' الذي كان يعيش مسطولا مستمتعا بغيبوبته وفقدانه لوعيه، في أعقاب نكسة 67 حتي يلتقي بالصحفية الشابة 'ماجدة الخطيب' التي تساعده علي استرداد وعية وضميره الوطني فيبدأ في إدراك حجم الكارثة التي يمر بها الوطن! فيلم ثرثرة علي النيل من أورع وأهم الأفلام السياسية التي ناقشت أسباب النكسة وآثارها علي كل فئات الشعب وخاصة طبقة المثقفين. وهو من إخراج حسين كمال، ورغم اختلاف الظروف والملمح الخارجي إلا أن بنيان السيناريو يكاد يتشابه بين ثرثرة علي النيل والسفارة في العمارة شريف خيري يعيش في غيبوبة ويدفن أحلامه في أجساد النساء ولا يهتم بما يحدث علي أرض الواقع إلا عندما يتعارض هذا مع حريته الشخصية ومتعته، ويبدأ إدراكه الوطني ينمو بالتدريج بعد لقائه بالفتاة الثورية 'داليا البحيري' التي تنتمي هي وأسرتها إلي التيار اليساري، وهذه نقطة ضعف ثانية في السيناريو الذي يفترض أن الذي يهتم بقضايا بلاده ويخرج في مظاهرات تأييد للشعب الفلسطيني لابد أن يكون محسوبا علي اليسار، بالإضافة في الاستغراق في رسم صورة كاريكاتورية عفي عليها الزمان لطبقة المثقفين. ولكن نقطة الانقلاب الحقيقية في حياة شريف خيري تحدث بعد استشهاد الطفل الفلسطيني 'إياد' الذي كان صديقا حميما لشريف خيري 'عادل إمام' وهو الحدث الذي كان متوقعا ومكشوفا من البداية. ومع ذلك فهو لا يقلل من قيمة التحول الذي حدث لشخصية البطل الذي كان لابد أن ينمو وعيه وضميره القومي وينفعل ويشارك الجماهير في التعبير عن غضبها ضد ما يحدث في الأرض المحتلة. وفي كل مكان من خريطة العالم العربي.
لابد أن نضع في الحسبان أن فيلم السفارة في العمارة فيلم كوميدي يتبني قضية سياسية، ويجب إلا نحمله اختلافنا السياسي، حول كثير من القضايا التي تشغل الرأي العام في مصر والعالم العربي فهو فيلم يهدف إلي الاضحاك، وأعتقد أنه قد حقق هدفه بأقل قدر من الخسائر وبعض المبالغات. التي يفرضها الطرح الكوميدي، ومع ذلك فهو يكاد يكون الفيلم الوحيد الذي يعتمد علي سيناريو محكم قابل للمناقشة، له قضية واضحة وبذل السيناريست جهدا في رسم الشخصيات بعناية، والاضحاك ينبع من مواقف يؤدي كل منها للآخر. وبدا المخرج عمرو عرفة مسيطرا علي أدواته، مدركا لمواطن إثارة الضحك أو إثارة الشجن، بحيث لا تفسد الرغبة في الإضحاك بعض المعاني الجادة التي أراد الفيلم طرحها ومنها تغير حال الجماهير التي ترفع شخصا ما علي الأعناق باعتباره بطلا ثم تدوسه في اليوم التالي وتقذفه بالأحذية باعتباره خائنا.. والحالتان لا تعبران عن واقع الأمر. فما أسهل من خديعة وتضليل الجماهير؟.
وأعتقد أن نجاح فيلم السفارة في العمارة سوف يربك حال السوق السينمائي الذي كاد يستقر علي نمط واحد شديد الضحالة والانحطاط استسلم له الجميع، وكأنه النمط الوحيد الذي يضمن الربح وإقبال الجماهير، والأهم من ذلك أنه سوف يؤدي إلي حدوث حالة من الأخذ والرد بين النقاد وهو أمر صحي ومطلوب ولا يحدث إلا في وجود أفلام جيدة تستحق الاختلاف حولها لأن الأفلام الرديئة تؤدي إلي حالة من البلادة والتتنيح الذي يصيب بعض النقاد في أعقاب الفرجة عليها!!.
|
|
|
|