|
|
| السنة - | 3710 | ه - العدد | 1426 | شوال | من | 28 | - م | 2005 | نوفمبر | من | 30 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:32:20 ك |
 |
الساعة - |
 |
29/11/2005 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| تحقيقات |
 |
|
|
الواحات ..
أرض الأسطورة
عصام عطية -هاني مباشر
في الواحات معجزة أسمها الإنسان، أو أهل الواحات الذين وصفهم مستكشف أوربي ب 'الشعلة التي أضاءت الصحراء'.. فبرغم قسوة الطبيعة ووحشة الفضاء.. وبرغم جور الجغرافيا والمسئولين ظلوا صامدين.. في عالم محكوم بأعراف وتقاليد صنعوها بأنفسهم.
يولد الإنسان هنا ويعيش علي الفطرة في منطقة لا نهاية لحدودها وهناك في أحضان الصحراء ولدت الأسطورة لعالم غريب الحكايات اختلطت بالأساطير وتتجاوز الطقوس الأعياد والاحتفالات لتصنع لنا أسطورة اسمها الواحات.. التي يمتد تاريخها لأكثر من مليون سنة.. 'آخر ساعة' كانت هناك في قلب الصحراء لتحكي حكايات عن أهل الواحات.. ولتبدأ رحلتنا.
العاشرة مساء.. بدأت رحلتي إلي الواحات ليس بالطائرة التي منعها وزير الطيران من أن تحلق فوق أرض الوادي الجديد بحجة إنها تسبب لهيئة مصر للطيران خسارة فادحة.
صعدنا إلي أتوبيس هيئة الوجه القبلي للسياحة ليشق طريقه عبر صحراء الفيوم ليقطع المسافة في 6 ساعات ولكن هيئة أتوبيسات الوجه القبلي تناست أن ركاب هذه الأتوبيسات من البشر فالأتوبيسات ليس بها وسائل السلامة أعطالها كثيرة وصرخات الأطفال تنبعث من بين الكراسي وسحب دخان السجائر تخنق المسافرين ويطول الطريق.
الخدر يتسلل من القدمين إلي بقية الجسد في ليلة برد قارس والأتوبيس يترنح لا يمشي.. وفجأة يتوقف السائق ويعلن أن الأتوبيس به عطل وعلينا أن نختار إما الانتظار حتي يأتي أتوبيس آخر أو أن نكمل الرحلة بهذا الأتوبيس في كلتا الحالتين ليس هناك أختيار ظل يترنح في الطريق حتي جاء الأتوبيس المنقذ كان بدون شبابيك في قلب الصحراء لملمنا أمتعتنا وأنتقلنا إلي الأتوبيس الآخر ليكمل الرحلة التي استغرقت 13 ساعة!
الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم التالي.. تطأ قدمي أرض الواحات.. ويتوقف الزمن وتعود بعجلاته آلاف السنين بقايا معبد أثري علي يميني يطلق عليه 'هيبس' في حالة انهيار تام وبقايا جبانات قديمة علي ربوة خاوية من السائحين.. كان يوما عاصفا تعرت فيه الأرض ومارست الرمال رقصتها المفضلة فكادت الرؤية تنعدم تماما وفي وحشة المكان يسري اليقين بأنها أرض منزوعة السكان لولا طيف من بعيد يدل علي أن هنا نبض حياة.. فرغم أن الصحراء دائما تقسو علي أهالي الواحات إلا أنهم عشاقها الأبديون.. أستوطنوها وخبروا أسرارها وتشكلت علي كثبانها هويتهم وثقافتهم الفريدة.. ولكن بحكم التطور فهناك الواحات القديمة بما فيها وأخري حديثة.
الواحات زمان
كانت الرحلة إلي الواحات من أسيوط تستغرق في السابق مسيرة ستة أيام تتطلب حمل الماء والزاد.. ويشير ما كتبه ابن دقمان في كتابه 'الانتصار لواسطة عقد الأمصار' عن الواحات هي بلاد حصينة وبها قلعة وبهذه البلاد من الفواكه والثمار شيء كثير وكانت في القديم مملكة قائمة بنفسها وكان لصاحب مصر علي صاحبها قطيعة ثم صارت مضافة إلي مصر وهو أقليم غير متصل بغيره تحيط به المفاوز وجيزة بين مصر والاسكندرية والصعيد والنوبة والحبشة ومسافاته من كل ناحية مقاربة للأخري وقيل هي ثلاث واحات الخارجة والداخلة وميمون وبه عيون حامضة وأهلها يشربون منها ويسقون بها أراضيهم..
والواحات ليست وليدة هذا الزمن ففي 22 مايو عام 1972 عثر العلماء علي آثار أول إنسان سكن الواحات وأقدم من عاش في الصحراء المصرية كلها قبل التاريخ المكتوب بنحو 150 ألف سنة بل إنه من الممكن حسب قول علماء الأجناس الأنثروبولوجي أن نعتبر إنسان الواحات الذي عثروا علي آثاره مؤخرا في الواحات الداخلة أقدم من عاش علي أرض مصر من بني الإنسان.
أزهي عصور الواحات
تؤكد المراجع التاريخية أن أزهي عصور الواحات كانت في عصر الأسرة السادسة الفرعونية منذ 2420 قبل الميلاد وامتدت فترة الازدهار إلي العصر الروماني ثم الحكم الفارسي واليوناني ثم عاد الرومان ثانية ولكن من هذه العصور شواهد تاريخية مازالت باقية في معابد وتماثيل ومصاطب ومقابر.
فهناك علي واجهة معبد 'حبت' الذي أقامه الفراعنة في فجر التاريخ وسط مدينة المحراث بواحة الخارجة وثيقة عمرانية يرجع تاريخها إلي سنة 78 ميلادية أيام حكم الأمبراطور جلبا الروماني.. وكان حاكم الخارجة الروماني يدعي 'تايبريوس يوليوس إسكندر' تلقي عدة شكاوي من أهل الواحات ضد الجند والضباط الرومان فأمر الحاكم بنقش القانون 66 علي واجهة المعبد هيشي الفرعوني وسمي القانون 66 لأنه يتكون من 66 سطرا تنص علي منع أسباب الشكوي وإقامة العدالة.. ونظام تعيين محصلي الضرائب وطريقة دفع الديون والجرائم التي يعاقب عليها القانون وطريقة التملك والوراثة وحق المرأة في الميراث ونظام الايجار والخدمة العسكرية.
وحرم القانون الرشوة وقضي بماعقبة مقدمي البلاغات الكاذبة وحرم اثقال كاهل الأهالي بالضرائب وأمر القانون برد كل مال مغتصب لصاحبه وحرم جبابة الضرائب إلا في موسم الفيضان.
أيضا سجل الرحالة الفرعوني 'خوفوحر' منذ سبعة آلاف عام علي جدران مقبرته في أسوان كثيرة عن أشياء الواحات حيث قال سلكت في إحدي رحلاتي إلي السودان درب الواحات إنه يصل بين طيبة والواحات الخارجة وهو يتفرع منها إلي شمال أفريقيا ثم هو يستقيم إلي الجنوب حتي دارفور.. هذه الواحات تغري بالهجوم علي مصر من الغرب وهي عامرة بالخيرات وكم حاولت قبائل 'التحنو' سكان ليبيا غزو مصر من باب الواحات فردتهم قوات مصر، وإذا كان الرحالة الفرعوني المؤرخ سجل بأن الواحات باب لغزو مصر من الغرب.. ففي 29 فبراير عام 1916 حضر رسول من الداخلة من بوليس الهجانة ليؤكد مهاجمة جيوش السنوسية واحتلالها لواحة الداخلة بعد أن سهل لها الأمر أشخاص من هناك وأخليت واحة الخارجة من جميع الموظفين وقام يحكمها إداريا بالنيابة عن الحكومة المصرية المرحوم الشيخ مصطفي هنادي بك عمدة البلدة ويعاونة مشايخ البلد.
وفي يوم 2 فبراير سنة 1917 حضر قائد أحد الجيوش البريطانية وخطب في أهالي الواحات بمناسبة طرد الحيوش السنوسية في الداخلة وحماية الخارجة منهم وقد أتي علي عمدة الخارجة الشيخ مصطفي هنادي بك الذي كان له الفضل الأكبر في حفظ الأمن بالخارجة وسلمه مكافأة عن ذلك نيشان النيل الممنوح له من سلطان مصر في ذلك الوقت.
هذا عن التاريخ المكتوب بينما تظل الواحات نائمة علي أسرار وحكايات وحواديت كثيرة تحكي عن الحاج 'نجاتي هنادي' الذي توفي عام 1960 وهو آخر عمدة لواحة الخارجة وأشهر عمد الواحات حيث يرجع سكان الواحات الأصليون إلي عائلات الركابية والعوسية والحلابية والخزانية وهي عائلات أصلها قبطي وعربي من الذين قدموا الواحات مع الفتح الإسلامي لمصر.
ولا يزال أهل الواحات صغيرهم وكبيرهم يذكرون هذا العمدة الذي يوصف بأنه صاحب الأيادي البيضاء علي الواحات فقد كانت تتوافر فيه كل صفات الفارس النبيل صاحب النخوة والنجدة والمروءة وهو ما أوقعه في مشاكل جمة مع السلطة الانجليزية فكان أهم أعدائها لكن أهم أثر تركه العمدة الأخير للواحات هو الوصية التي أوصي بها أولاده والتي رأيناها في مكتبة مبارك حاليا والوصية عبارة عن قطعة أدبية نادرة فضلا عن فكرة الوصية الأخلاقية التي تتوارثها الأجيال وتعبر بشكل لا يحتاج إلي تعليق عن أدب أهل الواحات ونبل أخلاقهم وسمو مشاعرهم
|
|
|
|