العمارة اسلوب فني للتعبير الانساني , فهي تعبر عن فلسفة مجتمع ما فيما يطرحه من موضوعات تؤثر وتتأثر بتطور العلم والتكنولوجيا لكل عصر .فأرى أن العمارة بذلك هي ترجمة لمفاهيم بين فكر وفن وفلسفة الانسان . وتتشكل تلك الترجمة لتكون لغة فنية تصبح العمارة من خلالها لغة حوار بين الشعوب.
وبوضع لغة العمارة في نظام معماري يعبر عن ادراك المعاني الظاهرة في التشكيل المعماري والباطنه
فى التجريد , فإننا نصل بذلك النظام الي كون العمارة نغمة متجددة تتفاعل مع ثقافة المجتمع وتذوقه الفني. وظهور الحركات المعمارية فى العالم ما هي إلا محاولات للوصول بالعمارة الى لغة تطرح ثقافتها باستخدام تقنيات وتكنولوجيا العصر لتخرج بها العمارة من القالب المصمت حتى تتناغم مع تطلعات الانسان وأفكاره .
عند مشاهدتنا مبنى ما فإننا لا نستجيب لتكوينه وتعبيره لعدم وضوح أثرهما علينا. فمثلا يعطى الشعر صورة لذلك المعنى فعندما نسمع اصوات الكلمات والايقاعات التى تشكل التكوين المرئي دون أن يتضح المعنى ويكتمل المعنى عندما ندرك الصورة التى ترسمها الكلمات فى أذهاننا , فعندما نرى عمل معماري ما لثقافة غير مألوفة لدينا ندرك تركيبها ولا ندرك ثقافتها وتعبيرها إلا بعد دراسة ثقافتها .
وبإمكاننا دمج التكوين والمعنى أكثر فأكثر لنحصل على ما نسميه الهوية المعمارية .
وأرى أن الهوية هى الحالة التى يكون عليها المبنى من ثقافة وتكوين ومعاني وعناصر معمارية .
وتتأثر الهوية بثقافة المجتمع وبالبيئة وبالمؤثرات الحسية والمكان والزمان الذى يحويها . وتأخذ الهوية قيمها من الاصول وتتطور عنها وبها فالمهم هو الجوهر التى تحويه .
*فمثلا تلعب المؤثرات الحسية كالأصوات والروائح كمنبهات قوية يدركها العقل فيرسم لها اشكال ذهنية واضحة .فالمبانى ذات الطابع الدينى لها تأثيرات مركبة من مجموعة من الحواس كسماع صوت المياه فى الأفنية وكملمس المواد المستخدمة ورائحة النباتات الموجودة والعناصر الطبيعية كل تلك العناصر تعمل على إضافة هوية خاصة للمنشئ المعماري .
*كما ان للمجتمع أثره الواضح فى رسم الهوية, فعندما ترتبط العمارة بالحالات معينة كالفقر مثلا يتبع ذلك ردود افعال من هذه الحالات المرتبطة بها .ومثالا على ذلك ( حسن فتحي) وعمارة الفقراء .
*وترسم الثقافة صورة واضحة لهوية المجتمع , فلكل مجتمع مجموعة من التقاليد والعادات التى نأخذها فى الاعتبار أثناء عملية التصميم وذلك بمحاولة دمجها بصورة معبرة في التصميم بما يواكب متطلبات العصر وتطوراته .
*وكذلك البيئة تؤثر على التصميم والذى يكتسب بها التصميم معايير تصنع للمبنى هويته الخاصة وذلك من خلال عناصر البيئة كالمناخ وطبوغرافية الأرض , فمثلا فى المناطق ذات المناخ الحار يظهر الفناء فى المسقط الأفقي وتتميز الواجهات بفتحات صغيرة وتستخدم ماد بناء طبيعية وغيرها من الملامح المتجاوبة مع البيئة
وإذا نظرنا الى محيطنا الحالي فى مصر والى التطورات الحديثة فبإمكاننا أن نشير الى أن كثير من المباني المقامة حاليا لا تندرج تحت مفهوم العمارة كقيم ثقافية وتقنية متطورة .
ففي مجتمعنا المصري اليوم نمى لدى كثير من الناس القدرة على تجاهل ما يحيط بهم وانعدام القيم الجمالية
والمعنوية للعمارة . ومما ساعد على ذلك كون الأشياء المحيطة بنا مملة لا تتأثر ولا تتجاوب مع أفكارنا . كما أن العناصر البصرية محدودة جدا , فمثلا عندما نريد ان نرسم صورة بصرية لمصر فإننا ندرك الأهرامات والمباني الفرعونية لما لتلك الثقافة من اثر واضح يختزنه العقل يدركه تكوينا ومعنى .
وبإمكاننا ان نصف محيطنا اليوم على انه مجموعة من المباني ذات إطار صندوقي تظهر عناصرها المعمارية مجردة من قيمها الجمالية فنرى الحوائط من الطب الأحمر وتظهر بينها الهياكل الخرسانية , فكل هذه الملامح تبعث على الملل. فهل نستطيع ان نصف هذه الصورة بأنها طابع محلى تأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية معينة
كما ان آفة عصرنا اليوم هو انعزال واضح وعدم تكامل بين المحيط والخلفية , كما ان هناك انعزال بيئي فهناك مشروعات مدمرة للبيئة كأن تتعدى على الأراضي الزراعية فتجرف الخضرة والأشجار أو تقطع كل المعالم الطبوغرافية وتشوه الخلفية الثقافية من المباني التاريخية .
كل هذه العوامل والمؤثرات أدت الي ما اسميه بكآبة عمرانية شاحبة بلا ألوان ولا قيم ,تفتقر الى الروح والثقافة والهوية .
فالمطلوب منا كمعماريين وكاتبى حضارة أمه ان نضع أسس لعمارة مصرية اتسمت منذ القدم بصورة مميزة لرسم صورة خالية ذات هوية مصرية مواكبة للعصر نضع فيها معالم ثقافتنا لتحاكى كافة ثقافات العالم .كما يجب ان نزرع الثقافة المعمارية والقيم الجمالية في اعين المجتمع ليكون بذلك عنصرا فعالا في رسم تلك الثقافة . كما انه لا بد من ان نقوم بدراسة متعمقة للأسس التاريخية لهويتنا المعمارية وتحليله فنيا وماديا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا ... لنخرج بعمارة لها أسس وثقافة مواكبة لعصرها .
والسؤال هنا من المسؤول عن واقع عمارتنا اليوم أهو المعماري ذاته الذى بدأ يتأثر بالأفكار الغربية ويقلدها تقليدا أعمى بما لا يستجيب مع بيئتنا وثقافتنا . أم ان المسؤول هو متطلبات السوق المحلى الذى بدأ يأخذ اتجاهات مستوردة اختفت فيها معالم الهوية المصرية . كما ان تلك المتطلبات لا تميز المنتج المعماري عن الآخر .
وأخيرا أشير الى ان العمارة فن اليوم فن نعيش فيه نتفاعل معه ويؤثر فينا فلابد ان نرسم له أسس وأصول ليصبح فن مأثور ...
م/ ابراهيم عبدالله