|
|
9 | السنة - | 485 | ه - العدد | 1422 | ربيع الآخر | من | 28 | - م | 2001 | يوليو | من | 19 | الخميس |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:04:53 PM |
 |
الساعة - |
 |
7/18/01 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| جريمة الأسبوع |
 |
|
|
مشطوب الإنسانية !!
عرض وتحليل: عبد المنعم الجداوي
في لحظات لا حساب لها في عمر الزمن.. وعلي حين غفلة من ماضي طويل خمسين عاما ووجود مهلهل.. ممزق.. يتبدد ويشارك هو في اختصار حاضره.. فقد كل شيء وغادره كل شيء الا رغبته في البقاء.. وحتي تبلغ المأساة ذروتها.. كان عليه ان يمحو من الواقع جنة الامنيات الشهيرة.. فانطلق مع الجنون..!!
لم يكن أمامه إلا ان يلوك هزيمته، ويستميت في دعوتها الي تناول العشاء.. الذي هبط وعاد به بناء علي طلبها،و قد أسرف هذه المرة حتي تكف عن اتهامه بالبخل . وقد انتهي النزاع بينهما بهذه الاتفاقية.. ان يخرج عن بخله ،ويهبط ليعود بعشاء فاخر لانها لم تتمكن من تدبير طعام فقد كانت طول اليوم خارج البيت عند صديقة لها مريضة، ورغم انه حذرها الا تغادر البيت دون استئذانه.. لكنها ترفض ان تستجيب ، وتعلنه في كل مرة بأنها حرة تفعل ما تريد، وأنها ليست موضع شبهات، و كلامه هذا يعذبها، ويدفعها إلي مخالفته لأنه يتضمن اتهامها، وعدم ثقته بها..!
كل هذه المتاعب، و الشكوك كانت تشكل تلالا من القمامة الظنية تقف بينهما، وتنشر ضبابا سميكا تقضي علي الشفافية التي يجب ان تكون حول الزواج، عدا ما يكمن داخل كل منهما تجاه الاخر.. فهو يتعذب بالشك الذي يجري كالإبر في عروقه مع الدماء، ومبعثه انها تكثر من الخروج، وتعمل علي تحطيم وجوده كزوج مسموع الكلمة معللة ذلك له، وأمام الجميع بأنها تريده ان يثق بها. وان يلتزم بمسئولياته الزوجية التي تعطي الاولوية للثقة التي يجب ان يتبادلها الزوجان بلا حدود.. لكن لا يستطيع ان يطيعها، وليس في وسعه ان يعلن عن مخاوفه حتي لا ينحط قدرة امامها وامام الاخرين،و ويتضخم المكتوم داخله. يقيمه، ويدعمه الطريقة التي عرفها بها. رغم أنها لم تمكنه من ذاتها الا بعد ان جلسا امام المأذون..!
إلا أن هواجسه لم تتخل عنه منذ أن رآها اول مرة، وقد جاءته لكي تلحق طفلها بالمدرسة التي هو المسئول فيها عن قبول الاطفال.. ولم تكن سنوات الطفل تنطبق والشروط، وراحت المرأة تستنفر النخوة والرجولة عنده ليكون في صف امرأة وحيدة مطلقة لا رجل لها وتسأله العطف علي طفلها، واستثنائه من الشروط القاسية، فالاب يعيش في مدينة اخري، ولو أنها لم تلحق الطفل بالمدرسة، طعن في صلاحيتها للحضانة وانتزعه منها، وهي لن تعيش بعده يوما إذا انتزع منها، ونهنهت، وسالت دموعها، واهتز داخله، و زلزلت اعماقه، وخرج قلبه من بين ضلوعه يجفف دموع المطلقة التي تدير ملامحها الرؤوس، وأمعن النظر في مسيرة دمعة من رموشها السوداء الي وجنتها بجوار أنفها الرقيق تنحدر علي يمين فم بديع الشفتين يقطران انوثة تستفز الرجوله، وتبتز الحنان في اعتصار قاسي أستشعره بالاعوام الخمسين التي يرزخ تحتها، وتجاربه وخبراته الماضية، ولحظتها ايقن انه سوف يكون له شأن مع هذه المرأة.. لكن ماهو علي وجه التحديد؟ هذا مالم يعرفه الا بمضي الوقت..!
وبينما هو يعيد إليها سكينتها، ويهديء من ثورة أشجانها ويعدها بأنه سوف يذلل كل عقبة حتي يحقق لها قبول الطفل. ا ضطر ان يقسم عليها حتي تشرب 'الليمون' وخلال ذلك استمع الي قصتها كشهيدة وضحية لزوج لم يدرك مزاياها، ولم يقدر تضحياتها، و في النهاية طلقها وهي لم تتجاوز السادسة والعشرين، وحتي يزيد من عذابها يريد ان ينتزع منها طفلها حتي يسقط نفقته مع انه غير منتظم، وأنها امرأة بلا بخت.. وبلا رجل يفهمها.. واضطربت اعماقه كلها، وهتفت جوارحه في صمت.. انه هو الوحيد الذي سوف يفهمها ، ومن الان ، وطلب منها أن تتردد عليه لكي تطمئن علي قبول اوراق الطفل..!
وترددت،وكان في كل مرة يخترع عقبة يحاول بكل سلطاته أن يذللها، وعليها ان تتابعه، ونجح في تصوير نفسه عندها بالرجل المنقذ الشهم الذي يقف بجوارها في محنتها، واطمأنت وشعرت بالراحة، واصبح المجيء اليه يشيع في كيانها الثقة، وبخبرة الرجل المدرب علي اكتساب قلوب النساء المهجورات اطبق عليها، وانتهز فرصة فرحتها عندما أعلنها بأن الطفل قبل، وانه قام عنها بتسديد رسوم الالتحاق، وابتسمت ، وشكرته واصرت علي أن تدفع الرسوم، والا فهي لن تزوره مرة اخري.. والتقط المعني.. اذن فهي ترغب في زيارته حتي بعد قبول الطفل، ورفض في إصرار ان يقبل ما دفعه، وقال لها إذا كانت تريد السداد فعلا فلتقبل دعوته لها مع الطفل علي الغداء عند 'الحاتي' ولم تفكر، ولم تغضب ، ولم تعتذر، وانما قالت في سعادة بدت علي ملامحها انها توافق علي ان تدفع هي الفاتورة.. فضحك يعاتبها.. ان عليها ان تفهم أنه رجل صعيدي.. فليكن ذلك الفهم في أعماقها، واتسعت ابتسامتها، ورمته بنظرات متوالية، كلها شكر، وحنان، وعطف من نوع مثير.. احس بعدها أن شيئا ما خر صريعا في داخله.. ويومها تناول معها الغداء وانصرفا علي موعد جديد..!
مازالت امامه ترميه بكل ما هو حقير، وترد عليه عطفه الذي أبداه، وتقسم انها لن تأكل فهو لم يعد يستحق ان تعيش معه أو تشاركه الطعام او حتي ينظر إليها فقد اسقطته من حسابها، وطلقت نفسها منه.
بعد أن فجعها في احلامها، كانت تظن انه كما تظاهر الرجل الشهم المليء بالنخوة، الصعيدي الذي يتعفف ان يخدع مطلقة فضلا عن ان يحتال عليها.. فرغم أنه لم يمض علي زواجه بها سوي ثلاثة شهور. إلا أن الخلافات دبت من اول اسبوع، وأعلنها في نزالة منقطعة النظير انه سوف يغافلها، ويستولي علي قائمة المنقولات التي قيمتها 16 ألفا من الجنيهات، حتي إذا طلقها اصبح حرا إلا من نفقة عام!
قالت له كل ذلك في ثورتها، واتهمته بالخداع، وطعنته في قدراته الرجولية، وانه كان عليه وقد تجاوز الخمسين ان يقنع بأم اولاده أو يبحث عن امرأة تجاوزت الشباب، وصارت كهلة مثقلة أو علي أبواب الكهولة، حتي ترضي بالقدر الضئيل جدا من الرجولة الذي لم يعد يملك غيره.. وهو ليس بالكلام الجديد بملعبها فقد كانت ترميه به حتي أمام الجيران الذين يتدخلون للصلح عقب كل معركة.. ويتحمل إذلالها، ولكنه يحاول في فروسية مفتعلة أن يهم بضربها أمام الجيران.. فيحولون بينهما، ويحمد الله علي تدخلهم!!
ويمضغ الهوان، والمذلة ويعايشها حتي يتمكن من سرقة قائمة المنقولات التي تركتها عند أمها، ويهضم الهزيمة كما يهضمها الان، ويدعوها لتناول العشاء، لكنها تصر علي الرفض إمعانا في إذلاله..!
هل كتب عليه الذل إلي الابد.. أن للذل معه أطول تاريخ في حياة إنسان في طفولته كان ضمن مجموعة من الابناء والبنات لأب محدود الدخل أو معدومه بالمعني الحقيقي.
هذا الاب يزرع بضعة قراريط بعضها ورثه من أبيه، وباعتباره الاكبر فقد استولي علي نصيب إخوته البنات، وكانوا ثلاث وأنقسم الباقي مع شقيقين رجلين، وكان مستأجرا لقراريط اخري، ويستعين علي حياته بالدواب الكبيرة والصغيرة، ولا يستخدم من يعمل حتي يوفر الاجور لاطعام الثمانية أبناء، وعليهم ان يعملوا في الارض معه، كل منهم يعرف مهنتة حتي الذي يطعم المواشي. حتي امهم كانت تعرف مهمتها جيدا، وفي بد الابمقدرات البيت كله من خزين الحبوب، والمسلي والعسل والجبن تتصرف الام في كل شيء لكنها لاتملك حتي الدجاج والطيور كان هذا الاب يعرف عددها ودائما ينصح الام بالا تسرف في ذبح الطيور فهي تنفعهم أيام الاسواق التي لا يكون فيها معه نقودا لشراء اللحم..
لم يكن يحب الاقتراض، وكان يعتز بأنه رغم ضيق الرزق لا يمد يده ولهذا كان يفضل ان يحل مشكلة ضيق الرزق بالصبر عليه، ولا يسأل أحدا من الجيران فقد كان يعتقد يقينا أن السؤال يفقده هيبته في بيته، وفي قريته، ومن هنا يقسو علي أولاده قسوة تجعل الام تتدخل أحيانا، ولكنها تتراجع أمام نظراته التي تخلع قلبها من صدرها تستعين عليه بأهاتها فتغضب أياما ثم تعود، ويعلن هو انه يربي اولاده حتي يصيروا رجالا لهم أخلاقه..!
ولما كان هو الوحيد الذي استمر في التعليم، ولم تكن الارض في حاجة اليه فقد عهد إليه بجانب الاستذكار مراعاة المواشي الصغيرة. عليه ان يرعي 'الخراف والماعز' مسئوليته جلب العلف الاخضر لها من الحقول، وتوفير المياه لها، وأي إهمال في واجبات المواشي الصغيرة كان عقابه الجلد والضرب أما أن نفقت واحدة فذلك لم يحدث. لإنه هومازال علي قيد الحياة.. وكان سر تعلقه بالمدرسة هو هروبه من الذل الذي يلاقيه في البيت، والويل كل الويل لو أنه رسب فهو مهدد بأن تقطع كل صلة له بالمدرسة لو أنه رسب، رغم أن واجباته نحو الماشية الصغيرة كانت تأتي علي وقت الاستذكار، وليس له ان يشكو أو يتبرم.. فلابد ان يعمل مادام يأكل ويتعلم، ويعيش في البيت..!
حينما وصل الي الثانوية الزراعية أراد ان يتمرد أعلن امه أنه يمشي علي قدميه كل يوم ثلاثة كيلو مترات ولا يركب الاوتوبيس لان والده لا يعطيه نقودا وهذا التعب يحول بينه وبين رعي الماشية الصغيرة وأجفلت الام ولكنها خوفا من المسئولية للاب عندما سألها اذا كانت الماشية أكلت وشربت اليوم ام لا.. فقالت له ان الولد يتعب من مشوار المدرسة التي في القرية الاخري. وسكت الاب حتي إذا عاد آخر اليوم نادي عليه، وسأله.. هل تخليت عن مهمتك..؟ وأجاب وكل فرائصه ترتعد أبدا.. وكانت عصي والده في يده فأنطلق الي الحقول يجمع طعام الماشية..!
ولعل ذلك ما جعله يوم حصوله علي دبلوم الزراعة.. يهاجر إلي عاصمة المحافظة ويحفر الصخر حتي يجد وظيفة مدرس في المراحل الاولية، وعاد يزف البشري الي أمه وما كادت الدراسة تبدأ حتي هاجر بعيدا عن قريته وإذلال والده.. لكن ليقع في ذل الرؤساء ولكنهم بشكل آخر كانوا أرحم الف مرة من والده..!
ويوما بعد يوم فشل في أن يثور علي ذل الوظيفة ومكانة الرؤساء، والزملاء أو يتعايش معه، والثورة هنا معناها خصم من المرتب، وإهانات متوالية، ورسمية، وكأنما كتب عليه الذل، وحتي يعاقبونه كنوع من الاذلال الرسمي كتب رئيسه انه لا يريده، وكتبت المديرية الي الوزارة انه عمالة زائدة، وجاءت به الوزارة إلي القاهرة لابعاده عن محافظته كنوع من العقاب، وأعتبر هو ذلك امتدادا للمذلة، وراح ينتقم من الطلبة وأولياء الامور..!
* * *
مازالت امامه والطعام لم تمسه يد، وهي ماضية في قذفه بكل ما يرفع درجات احساسه بالظلم، والذل، غير مدركة انه تزوجها لكي يشعر انه خرج مرة علي الذل، ومارس، وحقق رغبة خطرت له، ونبعت من اعماقه بعيدا عن مؤثرات الاخرين!
فزيجته الاولي كانت مفروضة عليه من الاب، ثمانية عشر عاما، انجب خلالها طفلين، وهو يصارع الاحساس والرغبة في الافلات من مذلة والده، وبحث عن زوجة علي شئ من اليسار فأسرع يطلق أم الاولاد، ويتزوجها.. و لإنها ثرية إعتادت الانفاق وهو بخيل بحكم تربيته.. عاد الشعور بالذل يخترقه ويسري في أنحائه ذهابا وإيابا، وأخيرا جاءت العروس الجديدة بعد ان تآكلت رجولته، وخمدت جذوة الشباب ، وقضي علي بقية مافيه الشعور بالذل والمذلة.. ولكنه سعد بلقائها، وسعد بأسلوبه في الحياة، فقد وجد معه ثلاثة الاف جنيه دفعها في الشقة التي يتحرك داخلها الان لتكون عشا للزوجية.. غير أنها افسدت عليه حياته.. فهي الاخري كانت تنطلق عواطفها تجاهه.. من منطلق انه اضاع حلمها في الاقتران برجل كانت له صورة في خيالها.. تصحح به غلطتها الاولي في الزواج من والد طفلها.. كلاهما لم يجد عند الآخر ماكان يريده..!
* * *
مازالت امامه تمطره.. بكل ما يكره.. إصطنع ابتسامة.. قام نحوها بجذبها لكي تشاركه الطعام.. اجفلت.. ظنته يهجم عليها.. دفعته عنها بقدر احتقارها كله.. اشتعل البركان الذي كان يدمدم داخله.. اطبق بيديه علي عنقها.. تراجعت مذعورة.. جذبته معها.. فتعثر في طرف السجادة.. كلاهما استنفر غضبه المخزون.. كاد يسقط.. تشبث بعنقها.. اخرجت صرخة مات نصفها في حلقها.. ترنحا سويا.. سقطت هي علي الارض.. وقف مذهولا.. تنبه علي صرخة الطفل الذي تدخل محاولا انقاذ والدته بقدر ادراكه.. بلا تردد او تفكير.. مد اصابعه الي عنق الطفل.. الذي قتله الفزع.. ثم اختنق.. وتهاوي بجوار أمه.. فإذا بجثة المرأة تبدي حركة من تغادر الحياة.. إنكب يخنقها مرة اخري حتي يتأكد من موتها..!!
جاءت النهاية .. لابد من التخلص من الجثتين.. الطفل أي حقيبة تضمه.. أما هي فلابد من تقطيعها، وتعبئتها في أكياس بلاستيك 'وكراتين'. وتوزيعها علي كل انحاء 'القاهرة' في مقالب القمامة.. في المطبخ 'منشار حديد صغير' كان قد اشتراه ليعالج به السرير يوم شرائه الاثاث.. جاء وقته فليستعمله..!!
نفذ خطته دون ان يراه أحد أو يشعر به..!
ولما كانت كل جثة تنادي علي قاتلها بلغة لا يفهما سوي رجال البحث الجنائي .. وكانت جثة الطفل هي الكاملة.. وما كادت الصحف تنشر الصورة.. حتي تعرف والده عليه ، وتقدم الي المباحث، وبدأت الحقيقة... إنكشف اللغز.. وتوصلت المباحث إليه والقت القبض عليه.. فاعترف بالتفصيل..!
في الاعترافات.. قال انه تناول العشاء وهو ينظر إلي الجثتين.. ثم بدأ قي تقطيع المرأة، ولم تعثر الشرطة علي بقايا لها في مقلب القمامة سوي عظام.. أما بقية الجثة فقد أتت عليها الذئاب التي تسكن جبل 'الخانكة'..!!
|
|
|
|