 |
|
12 | السنة - | 672 | ه - العدد | 1426 | محرم | من | 8 | - م | 2005 | فبراير | من | 17 | الخميس |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:03:48 ك |
 |
الساعة - |
 |
16/02/2004 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
الشاعر الحجطيئة في السجن
حبسه أمير المؤمنين عمربن الخطاب
لخوضه في أعراض المسلمين بشعره!
مأمون غريب
من جوامع الكلم للرسول الأعظم صلي الله عليه وسلم قوله:
'رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم'.
فالانسان مربوط بلسانه، وكثيرا ما يوقع اللسان الانسان فيما لاتحمد عقباه، اذا كان لايعرف أن لكل مقام مقالا كما يقولون دارت هذه الأفكار في ذهني وأنا أبحر في عالم الشاعر المعروف الحطيئة الذي اشتهر بالهجاء حتي خشيه الناس للسانه المفزع الذي لم يتورع أن يهجو نفسه، عندما قال: أري لي وجها شوه الله خلقه
فقبح من وجه وقبح حامله.
وهو أيضا قد هجا حتي أباه وأمه وأخوته!
وقد اتهمه الذين درسوا سيرة حياته بأنه كان بجانب سلاطة لسانه بخيلا، دنيء النفس، فاسد الدين!
فمن هو هذا الحطيئة؟
ولماذا أدخله أمير المؤمنين عمربن الخطاب السجن؟
ولماذا عفا عنه؟
يقول عنه الدكتور شوقي ضيف إن اسمه جرول، ولقب بالحطيئة لقصره أو دمامته، وقد ولد لأم اسمها الضراءو كانت لأوس بن مالك العبسي، ونشأ في حجره مغموزا في نسبه، وجعله ذلك قلقا مضطربا منذ أخذ يحس الحياة من حوله. وزاد في اضطرابه وقلقه ضعف جسمه وقبح وجهه، اذ كانت تقتحمه العيون، ولم يكن فيه فضل شجاعة يستطيع أن يتلافي به هوان شأنه في (عبس) علي نحو ما صنع عنترة من قبله، ومن ثم نشأ يشعر بغير قليل من المرارة، ولعل هذا هو السبب في غلبة الهجاء عليه.
ولما تيقظت في نفسه موهبة الشعر لزم زهير بن أبي سلمي يعلمه إحكام صنعه علي نحو ما كان يعلم ابنه كعبا ويقول عنه أيضا:
ويضيء الاسلام في الجزيرة، فلا يسارع إليه، ومن هنا اختلف الرواة. هل قدم علي الرسول صلي الله عليه وسلم بعد فتح مكة فأعلن اسلامه علي شاكلة كعب، أو أنه تأخر في اعتناق الاسلام، حتي توفي الرسول الكريم،؟ ونراه يسارع إلي الردة، معينا بشعره المرتد ضد أبي بكر وخلافته، حتي ليقول:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر
أيورثها بكرا، اذا مات، بعده
فتلك وبيت الله قاصمة الظهر
علي أن من الرواة من نسب هذين البيتين إلي غيره، وقد عاد مع المرتدين إلي الاسلام'.
***********
ويري الدكتور طه حسين في كتابه (حديث الأربعاء).... ومهما يكن من شيء، فقد كان الحطيئة أضحل ذكرا، وأهون شأنا من أن يظهر له خطر في الاسلام أيام النبي، ولكنه اضطر حين انهزم المرتدون إلي أن يذعن إلي ما أذعنت له العرب، ويدخل فيما دخل فيه الناس، فاتخذ لنفسه من الاسلام رداء، لم يشك الرواة في أنه كان رقيقا جدا يشف عما تحته من حب الجاهلية وإيثارها والحزن الشديد عليها، رداء لما يحمد الله عليه كما حمد لبيد حيث يقول:
الحمد لله ان لم يأتني أجلي حتي اكتسيت من الاسلام سربالا
ويقول الدكتور طه حسين أيضا، وهو يحلل شخصية هذا الشاعر:
وأكاد اعتقد أن الحطيئة لم يكد يظهر الاذعان والطاعة والدخول في دين الله حتي حدثته نفسه أن ينفض هذا كله، وأن يهرب إلي حيث يستطيع أن يعيش عيشته تلك التي كان يحبها ويهواها.
فالرواة يحدثوننا بأنه قصد إلي علقمة بن علاثة، ذلك الذي اتصل به في الجاهلية، ولم يكن ولاء علقمة للاسلام ظاهرا ولا صادقا ولامقطوعا به.
ومن الرواة من يزعم أنه لم يسلم، أو أنه أعان الروم علي المسلمين علي أن الحطيئة لم يكن موفقا، فقد اصطلحت الظروف كلها علي أن تمكر به وتناله بما لاتحب، فلم يكد علقمة حتي بلغه أنه مات، فعاد محزونا آسفا، وقال قصيدته المشهورة التي يقول فيها
وما كان يبني لو لقيتك سالما وبين الغني الا ليال قلائل.
***********
وربما لأن هذا الشاعر كان دميم الوجه، شديد القصر، يعيش مع عواطف الجاهلية رغم أنه أعلن اسلامه وربما أيضا لضيق ذات يده، كل هذه العوامل دفعته أن يهجو الناس وأن يكون هجاء، حتي قيل إن أمير المؤمنين عمربن الخطاب اشتري منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم.
وهناك قصة يرويها الرواة وهي هجاء الحطيئة للزيرقان بن بدر، عندما قال فيه قصيدة هجاء، والذي جاء فيها: دع المكارم لاترحل لبغيتها
واقعد فأنت الطاعم الكاس.
واشتكاه الرجل لعمربن الخطاب، وطلب ابن الخطاب من شاعر الرسول حسان بن ثابت أن يقول رأيه في هذه القصيدة، وهل يهجو بها الزيرقان، وكانت شهادة حسان بأن هذه القصيدة من قصائد الهجاء، ومن هنا فقد أمر أمير المؤمنين بحبس الحطيئة.
وشعر الحطيئة وهو سجين بالأسي والحزن والندم، واشتاقت نفسه لرؤية زوجته وأبنائه الصغار، وأراد أن يخرج من هذا السجن!
انه يعرف قوة عمربن الخطاب وشخصيته العظيمة الآسرة.
ويعرف أن ابن الخطاب عادل إلي أقصي حدود العدل، بل إنه ليحاكم نفسه في كثير من الأحيان عندما يظن أنه ظلم انسانا أو قصر في حق أحد.
ويعرف في نفس الوقت أن لابن الخطاب قلبا شديد الحب لله، شديد الرقة، وأن الرحمة تملأ قلب الفاروق العظيم، فأرسل إليه يحثه علي أن يطلق سراحه رحمة بأطفاله الصغار.. وكان يعلم تماما أن ابن الخطاب سوف يستجيب له لما فطر عليه من رحمة، فأرسل إليه يقول:
ماذا تقول لأفرخ بذي مرخ زغب الحواصل لاماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الامام الذي من بعد صاحبه
ألقي إليه مقاليد النهي البشر
ما آثروك بها اذ قدموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الإثر
وما كاد يسمع عمر بهذه الأبيات، حتي رق قلبه ولان، وأطلق سراحه.
***********
ونعود إلي عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي يلتمس الغدر للشاعر الذي يريد أن يجد له دورا في المجتمع الاسلامي، فيري أنه لا غرابة اذن في أن يكون الحطيئة شيئا مخوفا مرهوبا، مادامت ظروف الحياة قد اضطرته إلي ما رأينا من سوء الحال، ولاغرابة في أن تشيع عنه الشائعات، وتكثر من حوله الأساطير، ويصوره الرواة في هذه الصورة البشعة التي نجدها في الأغاني وطبقات الشعراء لابن قتيبة وفي طبقات الشعراء لابن سلام، ولست أستبعد أن تكون ظروف الحياة هذه قد غيرت نفس الحطيئة تغييرا، فجعلته كما يقول الرواة جشعا سئولا ملحفا في السؤال، طويل اللسان، مسرفا في الاعتداء علي الناس، ولكن لا إلي الحد الذي صوره الرواة، فهم يزعمون أنه هجا أمه وأخاه وأباه، وانتهي به الأمر إلي هجاء نفسه، وهم يروون له في ذلك كله شعرا، وليس من شك عندي، في أن المبالغة قد أثرت في هذه الاحاديث آثارها، ولكنها علي كل حال تعطي من الحطيئة صورة كان القدماء ينفرون منها أشد النفور، ولكني أعطف عليها أشد العطف، فهي لاتدل الا علي أن الحطيئة كان بائسا شقيا، غريبا في الطور الجديد من أطوار الحياة العربية، كأنما ارتحل العصر الجاهلي ونسيه وحيدا في العصر الاسلامي، فهو ضائع الرشد، ضائع الصواب.. قد فقد محور ان صح هذا التعبير...'.
مراجع
حديث الأربعاء د. طه حسين
العصر العباسي د. شوقي ضيف
|
|
|
|
 |