 |
|
13 | السنة - | 718 | ه - العدد | 1426 | ذو الحجة | من | 5 | - م | 2006 | يناير | من | 5 | الخميس |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
03:30:04 ك |
 |
الساعة - |
 |
04/01/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
محنة الفيلسوف ابن رشد!
الخليفة المنصور أمر بنفيه خارج الأندلس بسبب آرائه !
رجال الدين تحالفوا ضده وأحرقوا كتبه واتهموه بالزندقة!
مأمون غريب
لاشك أن ابن رشد من أعظم الفلاسفة المسلمين علي الاطلاق، وأخر هؤلاء الفلاسفة.. فلم يظهر بعده علي مستوي العالم العربي والاسلامي ما يمكن أن نطلق عليه لقب فيلسوف، وكان أهم من قدموا فلسفة أرسطو إلي الغرب بشرحه مما جعل أوربا تغفر من ظلام العصور الوسطي إلي مراحل التقدم والازدهار.
فما هي الأسباب التي أدت إلي سجنه وحرق كتبه؟
كان ابن رشد أن الهدف الذي يرمي إليه الفلاسفة هو الوصول إلي الحق.. وبتعبيره في كتاب تهافت التهافت:
: إن قصد الفلاسفة انما هو معرفة الحق، ولو لم يكن لهم إلا هذا التقيد لكان ذلك كافيا في مدحهم'.
ولد ابن رشد عام 5200 ه: 1126م)..
وهو أبوالوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، وكانت أسرته من القضاة فكان والده من القضاه، وكان جده قاضي القضاة بالأندلس. وقد نشأ بقرطبه، ودرس الفقه والرياضة والطب، وتولي القضاء في اشبيليه، ثم قرطبة.. وكان قريبا من الخليفة المنصور أبويعقوب ثم وصل إلي منصب قاضي القضاه.
كان الرجل لايحرص علي المال ولا المظهر، بل كان سخيا شديد العطاء، ويري أن اعطاء العدو هو الفضيلة، أما اعطاء الصديق فلا فضل فيه.. وكان شديد التواضع، وكان أيضا شديد الاعتداد بنفسه حتي كان يخاطب الخليفة في مجلسه فيقول له: يا أخي!
ويقال إن رفع التكلفة بينه وبين الخلافة كانت من الأسباب التي أدت إلي نكبته فيما بعد وقيل أن من أسباب النكبة أنه كان صديقا لأخ للخليفة لم يكن بينها ود، وظن الخليفة أنه يتحالف ضده مع هذا الأخ وقيل أيضا أن من أسباب النكبة التي انتهت بنفيه بعد محاكمته في كل من الأندلس ومراكش وحرق كتبه!
وقيل أيضا إن السبب يرجع إلي اشتغال ابن رشد بالمنطق والفلسفة..
أو علي حد تعبير الدكتور عاطف العراقي كتابه (الفيلسوف ابن رشد ويمستقبل الثقافة العربية) أن أسبابا عديدة للنكبة نجدها في كتب التراجم، ولكن من الواضح أن أقوي الأسباب انما يتمثل في اشتغال ابن رشد بالفلسفة والمنطق، والدليل علي ذلك ما نجده في أكثر كتب المؤرخين وكتاب التراجم حول أسباب محاكمة ابن رشد..
إننا نجد ما يلي:
لقد سعي بعض القوم من حساد ابن رشد لدي الأمير المنصور، ووجدوا طريقهم إلي ذلك في بعض التلاخيص التي كان يكتبها ابن رشد ويشرح فيها كتب أرسطو، ولقد أخذوا بعض التلاخيص وعليها بخطة بعض أراء القدماء من الفلاسفة وفيها يقول:
لقد ظهر أن الزهرة (كوكب الزهرة) أحد الألهه، وأوقفوا المنصور علي هذه الكلمة، فاستدعاه بعد أن جمع له الرؤساء والأعيان من كل طبقة وهم يقرطبة.
فلما حضر ابن رشد قال له الخليفة
أخطك هذا؟
فانكر ابن رشد ذلك.
فقال له أمير المؤمنين:
لعن الله كاتب هذا الخط، وأمر الحاضرين بلعنة، ثم أمر باخراج ابن رشد في حالة يرثي لها، وأمر بابعاده وابعاد من يتكلم في شيء من العلوم التي تتعلق بالفلسفة. وأمر الخليفة بأن تكتب عنه الكتب إلي البلاد طالبة من الناس ترك هذه العلوم جملة واحدة، وباحراق كتب الفلسفة كلها ما عدا الطب والحساب وعلوم الفلك التي تؤدي إلي معرفة أوقات الليل والنهار واتجاه القبلة في الصلاة.
* * *
وقيل إن سبب نكبة هذا الفيلسوف الكبير الذي شرح كتب أرسطو، ولم يكن مجرد شارح لها بل كان أيضا له اجتهاداته ورؤياه في الفلسفة.. أن سبب هذه النكبة التي حلت به، أنه ألف كتابا في الحيوان وقال عند وصفه للزرافة.
لقد رأيت الزرافة عند ملك البربر (يقصد المنصور).. وقد استاء الخليفة عندما علم بذلك، وأضمر الكراهية له ولكن ابن رشد قال له:
إنما قلت ملك البرين أي افريقيا والأندلس ولكنها تصحفت علي القاريء، فقال ملك البربر.
* * *
مهما كانت الأسباب فقد حدث أن نكل بهذا الفقية والفيلسوف الذي ألف في الطب كتاب (الكليات) الذي تحدث فيه لأول مرة بطريقة علمية عن وظيفة شبكية العين، والذي قال أن من يصاب بالجدري مرة لايصاب به مرة أخري، وتكلم عن التشريح ووظائف الأعضاء، وقد ترجم هذا الكتاب إلي اللاتينية وأصبح أكثر الكتب شهرة في أوربا.
وبجانب شروحة لفلسفة أرسطو، فقد تحدث عن علاقة الدين بالفلسفة في كتابيه (تهافت التهافت) التي رد فيه علي كتاب الامام الغزالي (تهافت الفلاسفة)..
كما أن م كتبه الهامة كتاب (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال).
الذي دافع فيها عن الفلسفة، وأن الفلسفة بعيدة عن تهمة الإلحاد، وبين أن التراث العقلي لليونان لايتنافي أو يتعارض مع الاسلام. ويمكن التوفيق بينهما علي أساس أن كل منهما يؤدي إلي الحقيقة.
* * *
ومع ذلك فقد كره الرجل بعض رجال الدين، وحسده البعض الآخر علي نبوغه، واتهموه بالإلحاد.
ويري الأستاذ عباس محمود العقاد أن لهذه المحنة التي تعرض لها ابن رشد أسبابا باطنها غير ظاهرها، ليس من العسير أن نستشفه من مجمل أحواله وأحوال زمنه وأميرة،
كيف؟
يقول الأستاذ العقاد:
فمن مجمل أحواله أنه كان رجلا يحسن المساجلة ولايحسن المنادمة، ولايبالي تزييف لغة (البلاط) في سبيل تحقيق لغة القلم ورفع الكلفة من مجالس الباحثين فيه، ولو كانوا من الملوك والأمراء، ومما يصح أن يشار إليه من لواحق هذا أنه غفل عن مكانة الغزالي عند ملوك الموحدين، وهو أستاذهم أستاذهم الأكبر، فرد عليه دفاعا عن الفلاسفة ولم يبال في هذا الدفاع أن ينسب إليه المغالطة.
ويقول أيضا:
ومن مجمل أحوال الزمن أنه كان زمن العدادات الدينية، وكانت أخطار الحروب بين المسلمين والإفرنج علي أشدها، فكان من أصعب الأمور علي الحكام أن يتعرضوا لغضب العامة اذ وقع في وهم هؤلاء أن قضايا من أعظم القضاة يشتغل بالعلوم التي يرتابون بها ويحسبونها من الكفر والضلالة.
وقد أشتهر عن ابن رشد أنه كان مصادقا لأخي الخليفة.
وتبين من تاريخ تلك الفترة أن المنافسة فيها علي الملك كانت حربا ضروسا لاتنقطع في وقت من الأوقات، فلا يبعد أن ينكب الخليفة ابن رشد اتهاما له بمشايعة أخيه واتهاما لأخيه بمصاحبة الفلاسفة واضمار الكفر والضلالة.
أنما عفو الخليفة عن ابن رشد بعد ذلك فليس تفسيره بالعسير.. فانه قد عفا عنه عقب عودته من الأندلس إلي مراكش، وبعد زوال الفاشية ووضوح الحقيقة في ظنونه بأخيه وجلساء أخيه، وقد قبل أنه أقبل علي الفلسفة التي تجنبها حينا فأكثر من الاطلاع علي كتبها، فاذا وافق ذلك شفاعة الشافعين في الحكم المغضوب عليه فقد وضح سر النكبة وسر العفو، ولم يكن فيه غريب غير مألوف من خلائق الملوك وخلائق الدهماء، مع الحكماء والفضلاء.
* * *
وتوفي الفيلسوف العظيم عام (595 ه : 1198م) بعد عودته من المنفي، ودفن خارج مراكش ثلاثة أشهر، ثم نقلوا رفاته إلي قرطبة.
مراجع
 ابن رشد عباس محمود العقاد
 الفيلسوف ابن رشد ومستقبل الثقافة العربية. د. عاطف العراقي
|
|
|
|
 |