 |
|
15 | السنة - | 811 | ه - العدد | 1428 | شوال | من | 6 | - م | 2007 | أكتوبر | من | 18 | الخميس |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:23:15 ك |
 |
الساعة - |
 |
17/10/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
الجريمة زمان
شكل ثاني!
حكاية ريا وسكينة من أول وجديد!
بقلم: محمود الورداني
أما سكينة الشقيقة الصغري فقد تزوجت وأنجبت طفلة ماتت بعد أشهر قليلة وطلقت من زوجها، وبعد عدة أشهر أخري بدأت أولي خطواتها في طريق البغاء. في ذلك الوقت كان البغاء علنيا بإشراف وتنظيم الحكومة، فقد كانت مصر تحت الاحتلال، وخلال الحرب العالمية الأولي وبعدها، تدفق آلاف الجنود علي مصر التي كانت إحدي أهم قواعد الامبراطورية وأكثرها اكتواء بنار الحرب بسبب موقعها الاستراتيجي ورخص الأيدي العاملة فيها.. وهكذا عاش عسكر الامبراطورية فسادا، واستشري البغاء تلبية لمطالب العسكر!
في 'نقط' البغاء الحكومية كان يتم الكشف الطبي علي النساء للتأكد من خلوهن من الأمراض السرية، وفي إحدي مرات الكشف أصيبت سكينة بمرض سري فتم إدخالها المستشفي وفق ما يقضي به القانون للعلاج، وهناك تعرفت علي أحد الممرضين العاملين بالمستشفي، وهربت معه إلي الإسكندرية.
وبدءا من عام 1914 بداية الحرب العالمية الأولي التي لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل، وكل ما في الأمر أنها مجرد بلد محتل، بدأت الكارثة التي ما لبثت أن تحولت إلي مأساة. استشرت البطالة والمجاعة والركود وفقد القطن محصول مصر الرئيسي أهميته بعد أن توقف التصدير، ومن ثم العمل في محالج القطن.. وهكذا لحق 'حسب الله' بزوجة شقيقه التي كانت قد هربت إلي الإسكندرية بعد أن حوكمت زوجته ريا بسبب سرقة أحد محال البقالة ودخلت السجن لتقضي ستة أشهر حبسا، ولم يكن حسب الله وحده، فقد كان بصحبته طفلته بديعة بعد سجن أمها.
البانوراما التي يرسمها صلاح عيسي للإسكندرية المدينة الكوزموبوليتانية ليست دقيقة في تفاصيلها فقط، بل تشمل الساسة والحكام والمحكومين ورجال الشرطة وبيوت البغاء العلني والسري وجنود الامبراطورية وآلاف المتعطلين واللصوص والمتظاهرين والتجار والأحياء الشعبية وقصور الأغنياء.. يستعيد صلاح عيسي الشوارع والحواري والأزقة والمهن بل واللغة المستخدمة آنذاك وأزياء الرجال والنساء والأثاث المستعمل في البيوت وأسعار الذهب والطعام والشراب وأنواع الخمور والمخدرات في الاسكندرية أوائل القرن.
لذلك لم أكن مبالغا حين وصفت جهده بالأسطوري في استحضاره لاسكندرية أوائل القرن التي كان يسكنها آنذاك 425 ألفا من المصريين والنازحين واليونانيين والبريطانيين والإيطاليين والفرنسيين والمغاربة والأتراك، كما كان يسير فيها الترام بالكهرباء وتزدحم بالمقاهي والبارات ودور السينما والصحف التي تصدر بالعربية والفرنسية.
بطبيعة الحال ركز صلاح عيسي الجهد الأكبر في كتابه علي عالم الإسكندرية السفلي، عالم الجريمة والبغاء والفقر والبؤس والبطالة واللصوصية.. والحقيقة أنه قدم وثيقة نادرة مكتوبة بطريقة السرد الروائي اللماح والذكي، دون أن يشعر القارئ لحظة واحدة انه اعتمد علي الوقائع التي استخرجها من بين سطور التحقيقات وملفات القضية، بل نحن أمام عمل روائي ساخر وحيوي يضج بالبشر والصراعات المحتدمة.
ويتابع المؤلف رحلة الشقيقتين بعد خروج سكينة من السجن داخل المدينة الكوزموبوليتانية وصراعهما من أجل البقاء علي قيد الحياة وسط عالم لا يرحم. كانت المرأتان شأنهما شأن آلاف النساء اللائي نزحن من القري التي تعاني من المجاعة والبطالة، واحترف القسم الأعظم منهن البغاء العلني الذي تنظمه الحكومة لخدمة جنود الامبراطورية البريطانية، بينما عمل القسم الآخر بالبغاء السري بعيدا عن تدخل الحكومة!!
وعلي نحو بالغ الحساسية والرهافة يخوض المؤلف في العالم السفلي للإسكندرية التي تحولت إلي ماخور كبير لجنود الإمبراطورية، حيث أسواق النخاسة البشرية وبيع الأجساد علي الطريق العام. السكر والعربدة والمخدرات في كل حارة وعلي مرأي ومسمع من أقسام الشرطة. الرشوة والفساد وشراء الذمم يطول الجميع من الجنود والضباط وموظفي الحكومة والحكام والباشوات ورؤساء الوزارات، فالكل يعمل في خدمة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. القسوة والفظاظة والجلافة هي النتاج الطبيعي لعالم لا يرحم والموت في الطرقات.
قاد الفقر والبؤس خطوات الشقيقتين ريا وسكينة إلي العمل في كل المهن القذرة. البغاء السري والسرقة وتأجير مسكنهما لراغبي المتعة القصيرة السريعة وانزلقتا سريعا في العالم السفلي. تخليتا عن كل ما يميز البشر فقدتا انسانيتهما بصحبة رجال كانت كل مهمتهم حتي لو كانوا أزواجا لريا وسكينة، هي تنظيم العمل والإشراف علي ممارسة البغاء سواء كان من يمارسه هما ريا وسكينة أو غيرهما من النساء في بيوت تم استئجارها خصيصا.
لقد مارست ريا وسكينة ورجالهما كل شيء وكل المهن وارتكبوا كل الجرائم باستثناء القتل، ليس خوفا منه بل خوفا من الشرطة وفي نهاية الأمر انزلقت العصابة الي القتل ايضا وعلي مدي 11 شهرا بين 20 ديسمبر 1919 و12 نوفمبر 1920 قتلت العصابة 17 امرأة وتم دفنهن جميعا في حجرات كانت مسكنا لأفراد العصابة، وهم (8).
الي جانب الشقيقتين ريا وسكينة: حسب الله وعبدالعال وعبدالرازق وعرابي.. أشقياء تولوا حماية الشقيقتين أو الزواج منهما أو ممارسة الجنس معهما دون تمييز كالحيوانات. وبحثا عن المزيد من النقود، كلفت المرأتان باصطياد النساء للائي يتزين بمصاغهن من الذهب، فقد كانت المومسات يحتفظن من أجل المستقبل المجهول الذي يهددهن دائما بمصاغ من الذهب يواجهن به ما يخبئن لهن القدر من كوارث.
كانت الطريقة التي تستدرج بها العصابة ضحاياها واحدة اختيار امرأة 'مذهبة' أي تزين بالذهب، ثم تكتم أنفاسها بمنديل أو قطعة قماش مبللة بالماء وتنتزع زينتها ثم تدفن في المكان الذي قتلت فيه. أول ضحية هي نظلة أبوالليل التي كانت صديقة أحد أفراد العصابة وهو الشقي عرابي، لكنها أحبت غريمه الفتوة عبدالرحيم الشربتلي وتخلت عن رفيقها.
تم تتابعت الضحايا: عزيزة وزنوبة وفاطمة وسليمة 'وهي امرأة تجاوزت الستين عاما وانيسة وخديجة وفاطمة وفردوس وثلاث نساء اسمهن للمفارقة نبوية وغيرهن من النساء اللائي بلغ عددهن 11 امرأة دون أن تحرك الشرطة ساكنا، علي الرغم من أن الجرائم ارتكبت أمام قسم شرطة اللبان حيث سكنت العصابة. اما البلاغات التي كانت تقدم للشرطة فكان مصيرها الحفظ.
وبالمصادفة البحتة تم الكشف عن الجرائم، فعندما ارتكبت العصابة آخر جرائمها، وقام حسب الله وعبدالعال بحفر الحجرة كالعادة لدفن الضحية لم يجدا مكانا، فاستخرجا احدي الجثث وحملاها في جوال ودفناها كيفما اتفق في الليل وخشية افتضاح أمرهما في أرض خالية كانت تستخدم في القاء القمامة أو قضاء الحاجة. وعندما كان أحد الاطفال يقضي حاجته في هذا المكان ويعبث في الارض، فوجيء ببقايا ذراع بشرية! وهنا فقط تحركت الشرطة!
وبدأ البحث والتحري وشرعت النيابة في تحقيقاتها سبع عشر ضحية تم الكشف عن بقاياها، ومقابل كل جثة كان يتم استخراجها كانت مصر تهتز من هول ما حدث أمام قسم الشرطة وعلي بعد عدة أمتار قليلة منه.
في البداية احتفظت العصابة برباطة الجاش، ولم يهتز أحد منها، واصر كل منهم علي أقواله أمام النيابة، حتي اعترفت الطفلة بديعة ابنة ريا والتي شاهدت هذه الجرائم وهي ترتكب أمام عينيها، وأمام هذه الاعترافات ارتبك أفراد العصابة وسرعان ما انهاروا واعترفوا بدورهم.
زلزلت الارض أمام هذه الاعترافات، واندلع الخوف والرهبة في قلوب الجميع، وكشفت القضية من بين ما كشفت عن حجم الفساد والرشوة في أقسام الشرطة ودواوين الحكومة. وأسفرت المحاكمة عن اعدام الشقيقين ريا وسكينة ورفاقهما حسب الله سعيد ومحمد عبدالعال وعبدالرازق يوسف وعرابي حسان، بينما حكم علي الصائغ الذي اقتصر دوره علي شراء الذهب بثمن بخس بالطبع بالسجن 5 سنوات ونفذ حكم الاعدام بالفعل في 21 ديسمبر 1921 في سجن الحضرة الشهير بالاسكندرية.
ربما كانت اعترافات الطفلة بديعة ابنة ريا السبب الاساسي في التفاف حبل المشنقة حول أمها وباقي أقاربها، وهذه الاعترافات هي موضوع الحلقة التالية من حكاية ريا وسكينة.
|
|
|
|
 |