الحلقة الثالثة
اغتيال المتنبي
غرور الشاعر الكبير كان سببا في انقلاب سيف الدولة عليه
إخفاقه في تحقيق حلمه بأن يكون واليا.. أسقطه في دوامة الإحباط
مأمون غريب
كانت مشكلة المشاكل في حياة أمير شعراء عصره وكل العصور المتنبي تكمن في اعتداده الزائد بنفسه، ومحاولته الوصول إلي السلطة حتي لو نافق الأمراء بما لايليق بقامته الابداعية العالية، مما جر عليه سخط الحكام وحقد المحيطين بهم!
لقد عاش المتنبي حياته وهو يرنو إلي أن يكون صاحب نفوذ عن طريق ولاية يتولي أمرها، وفشل مع سيف الدولة صاحب حلب، كما فشل مع كافور حاكم مصر، مما اضطره إلي العودة إلي الكوفة التي نشأ فيها حزينا تعتصره آلام الاخفاق والفشل فيما كان يصبو إليه.
وكان شديد الحزن لان حاسديه قد زاد عددهم بدل الاعجاب بموهبته وقدرته الفائقة عن التعبير عما تجيش به نفسه شعرا يهز الوجدان، ويفتح أبواب المجد والتاريخ لمن يمدحهم..
ولكنه يشعر وقد عاد أخيرا إلي مهبط رأسه في الكوفة.. حيث كان يقول في مطلع شبابه عن نفسه.
أي محل ارتقي أي عظيم أتقي
وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق
محتقر في همتي كشعرة في مفرقي..
إنه يعود إلي الكوفة وهو يشعر أنه لم يحقق شيئا له قيمة فيما مر به من أعوام العمر.. ولم يدر أن الغرور عادة سخيفة يكرهها الناس ولايحبون من يتسم بها مهما كانت حظوظهم من العبقرية أو الثراء، أو السلطة أو الجاه.
وأن الغرور لايجلب إلا سخط الناس، ولايجلب سعادة لصاحبه.
وربما سرح المتنبي إلي أيام طفولته وصباه وبدايات شبابه، وكيف كان يحفظ الكتاب من قراءته لأول مرة، وكيف طاف مدن الشام، وكيف عاش فترة في (بادية السماوه) حتي يتقن لغته العربية، وكيف اتهم بادعاء النبوة ودخل السجن، بعد أن وشي به الواشون.. وها هو قد ذهب إلي سيف الدولة ومدحه ونال عطاياه ولم ينل ما كانت تصبو إليه نفسه في ولاية يتولي حكمها، ونفس الفشل في تحقيق طموحه للسلطة حدث مع كافور ولم يحقق شيئا، ولكن الفرق بين الرجلين أنه أحب الأول وهو سيف الدولة، وكان مديحه نابعا من أعماق نفسه، بينما مدح وهجا الثاني لأنه لم يدخل حبه قلبه في أي يوم من أيام وجوده في مصر.
***رحل المتنبي بعد ذلك إلي بغداد، إلي أن جاءته رسالة من ابن العميد من أرجان، فمدحه المتنبي واتصل بعضد الدولة في شيراز، حيث أغدق عليه من العطايا مما جعله يعيش في بحبوحة من العيش. غير أنه عاوده الحنين إلي حب السلطة فألمح لعضد الدولة أن تكون له ولاية بالعراق أو ما حول العراق..! ولكن هذا الأمل سرعان ما شعر أنه لن يتحقق أيضا، وأن ابن العميد وأميره سوف يديران له ظهرهما وقرر العودة إلي العراق.
***وخير من حلل شخصية المتنبي، وكيف وصل إلي القمة وكيف انتهت حياته تلك الحياة المأساوية المروعة حيث انتهت حياته بالقتل،.. خير من حلل هذه الشخصية المثيرة للجدل الاستاذ علي أدهم.. حيث يقول:
:.. وقد كانت هذه العظمة المتوهمة التي نسجها المتنبي حول نفسه لونا من ألوانا العرض عما أصابه في طفولته وابتداء نشأته من الاهانات وأنواع الاساءة والتحقير بسبب فقره ويتمه وضعة أصله.
: ومعظم الذين عرفوا بالكبرياء والزهو استهدفوا في حياتهم لامتحانات قاسية ونقدات مهنية جارحة.. وقد لوحظ أن شدة شعور الانسان بناحية خاصة من نواحي النقص تحدوه إلي ابتغاء المجد وطلب الفطائم.
(وأولر) العالم النفسي المعروف يرد كل موهبة إنسانية سامية إلي الرغبة في التعويض عن لون أصيل من ألوان النقص والعيب، وقد لايصدق رأيه في كل موقف، ولايفسر كل حالة من الحالات النفسية، ولكن لانزاع في أن الشعور بناحية من نواحي النقص يحفز النفس إلي استدراك هذا العيب واستكمال ذلك النقص.
وتوهم العظمة عريق في نفوسنا، فالطفل يتلهف أن يكون ضخما فارعا، ويود أن ينمو ويكبر في مثل غمضة العين ورجعة الطرف، وطموح المتنبي المترامي الغلاب، وحلمه بالمجد المؤثل والملك الشاسع، واعتقاده بأن له حقا سيطلبه بمشايخ (كأنهم من طول ما التمثوا مرد) من أقوي بواعث هذه الشكوي المرة التي تطالعنا في شعره، والحزن الولاج الذي تنضح به قصائده.
و من أبعد الأمل وأسرف في الطمع كان خليقا أن يعود بالحرمان، ويبوء بالخسران.
ولاعجب أن يكون المتنبي وهو أعظم شعراء العروبة طموحا، وأضخمهم أملا هو في نفسه الذي يقول:
اذاقني زمني بلوي شرفت بها
لو ذاقها لبكي ما عاش وانتحبا
ويتحدث عن الخطوب التي نشبت مخالبها فيه فيقول:
أوجدنني ووجدن حزنا واحدا
متناهيا فجعلته لي صاحبا
ونصبتني غرض الرماة تصيبني
محن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدنيا فلما جئتها
مستسقيا مطرت علي مصائبا
وبعد أن يستعرض أشعاره التي تنم عن أحزانه فيقول عن طموحاته التي أودت به في نهاية المطاف:
'فطموح المتنبي هو باعث حزنه، وكبرياؤه هي سبب كثرة خصومه وأعدائه.
وافراطه في طلب الدنيا هو سبب ما يروي عنه من الشح والبخل.
ولقد أبعد المتنبي الهدف، وغالي في الطلب، فلم يلق سوي الحزن وخيبة الأمل.
والدرس الذي نتعلمه من حياته هو أن نعتدل ونقصد في طلباتنا، ونبغي الأهداف المعقولة.
وقد كان المتنبي بعيدا عن الزهد والقناعة والترفع عن المطامع، فظل في حياته محزونا شقيا.
وكان كلما أخفق في نيل بغيته، وأحس بعجزه، لاذ بكبريائه وتدرع بغروره، وملأ ماخفيه بالافتخار المسرف مرة، وبالشكوي المرة مرة أخري.
ولم يستطع طوال حياته أن يوازن بين أمله وقدرته. وظل طفلا يطمع في الملك، ويحلم بالنفوذ والسلطان وضرب أعناق الملوك قبل السوقة.
وكان يسمع إطراء المعجبين بأدبه. المأخوذين بشعره فيزداد ثقة بنفسه واعجابا بمواهبه إلي حد أن يري نفسه (عجيبا في عيون العجائب) ويمكن أن نعزو إلي تأثير أدب المتنبي الإكثار من شعر الفخر الأجوف الذي ملأ دواوين الشعراء بعد عهد المتنبي.
ومن أمثال ذلك تلك القصيدة الخرافية التي نظمها ابن سناء الملك ومطلعها:
سواي يهاب الموت أو يرهب الردي
وغيري يهوي أن يعيش مخلدا
ولولا تأثير المتنبي السييء في هذه الناحية لكان شاعرا متزنا مثل البارودي أوفر عقلا، وأصبح مزاجا من أن يرسل مثل هذا البيت العنتري السخيف:
اذا استل منا سيد غرب سيفه
تفزعت الأفلاك والتفت الدهر،
***كان الغرور الزائد عن الحد
وكان الطموح الزائد عن الحد أيضا.. هو السبب الرئيسي وراء أحزان المتنبي، حتي أننا نراه حتي وهو يرثي جدته، لايتنازل عن الا فتخار بنفسه ويعزي شاعرنا محمد ابراهيم أبوسنة هذا الفخر في وضع لاينبغي فيه الفخر بقوله:
: ربما كان تعليل ذلك أن الشاعر هو محاط بعداوات شديدة، يشعر كأن هذا الحادث إنما يصور لأعدائه أن الضعف قد حل به، وأن ركنه قد وهن، فهو يعلن بثبات ورسوخ عن مفاخره..
: وربما كانت معارك الشاعر الكثيرة الطاحنة تملأ نفسه فلا تترك فيها فراغا لتأمل شيء آخر في الحياة.
ها هو ذا الشاعر يتصور أن أعداءه ان كانوا يشمتون به في هذا اليوم فقد جاء رغما لانفهم، ثم تستمر القصيدة في اتجاه الفخر بالنفس فخرا بحمل الكثير من المبالغات والقسوة علي الآخرين.
هو فخر يوحي بنفس لا تعرف الطمأنينة.. تتوجس دائما الشر من الأعداء.. هو يلجأ إلي نوع من التماسك المصطنع ليداري هذا الخوف الشديد الذي يسكن نفسه'.
***مهما يكن من شيء فنحن أمام شاعر كبير.. بلغ من اعتداده بنفسه، أنه طلب من سيف الدولة وهو من هو كأمير مهاب، له مواقفه الشجاعة، وتصديه لدولة الروم، فأصبح بذلك الحارس للحدود العربية الشمالية من هؤلاء الذين كانوا يتربصون بالعرب الدوائر لقد اشترط عليه المتنبي عندما اتصل به 'أنه لاينشده إلا وهو جالس.. ولا يكلف تقبيل الأرض بين يديه'.
وقبل منه سيف الدولة هذه الشروط لاعتزازه بشعره، واعتزازه بأن يكون هذا الشاعر العملاق من الذين يمدحونه، ويتحدثون عن موافقه، ويشيدون بها، وبذلك تخلد بطولاته في التاريخ، كما كان علي يقين أن مدائح رجل في قامة المتنبي له سوف ترفع ذكره في أنحاء العالم الاسلامي كله.. ومن هنا فقد أغدق عليه المحن والعطايا والهبات، ولم يبخل عليه بالمال الوفير، حتي أن الرواة يقولون أنه كان يعطيه كل سنة ثلاثة الاف دينار، ما عدا الخيل والجواري والخلع والجوائز والاقطاعات، وقد ظل طوال تسع سنوات يعيش في رعاية هذا الأمير القوي، وكان ايضا شاعرا، وبالتالي يعرف قيمة المتنبي، ويعرف منزلته كشاعر ملأ الدنيا وشغل الناس كما قيل عنه بعد ذلك.
وكان من الممكن أن يعيش المتنبي في مثل هذه السعادة بجوار هذا الأمير طوال حياته، لولا جموح طموحاته مما أوغر قلوب الشعراء الآخرين عليه، فدسوا له عند الأمير، وكان لابد من الافتراق، وابتعد الشاعر علي الأمير، وهو حزين لما آل إليه أمره، وظل يتنقل من مكان إلي مكان..
ومن مدح أمير إلي مدح آخر، حتي انتهت حياته نهاية أليمة.
وإلي العدد القادم
|
|