 |
|
16 | السنة - | 852 | ه - العدد | 1429 | رجب | من | 20 | - م | 2008 | يوليو | من | 23 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:15:32 AM |
 |
الساعة - |
 |
7/23/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
قال لي زوجي قبل خروجي:
إلي أين تذهبين والرصاص يتساقط في كل مكان؟!
بقلم صاحبة العصمة: هدي هانم شعراوي
 | | أول مظاهرة نسائية أثناء ثورة 1919 |
|
الرائدة والزعيمة النسائية الكبيرة هدي هانم شعراوي شاركت في أول وأكبر مظاهرة نسائية أثناء ثورة ..1919 السطور التالية تحكي فيها الزعيمة الكبيرة ماحدث للنساء المصريات اللاتي خرجن في أكبر مظاهرة ضد الاحتلال الإنجليزي.
واذا تحدثت عن شعورنا القومي فلأني شهدت جلاله في أوج كماله مرتين في حياتي:
الاولي في حادثة دنشواي.. والثانية في الحركة الوطنية الكبري سنه ..1919
أما مأساة دنشواي، فقد حدثت سنة 1904 وقتما كان الحزب الوطني عند نشأته يعمل تحت رئاسة مصطفي كامل علي بث الروح القومية في قلوب الشبيبة المصرية فكانت حادثة دنشواي هي الشرارة التي ألهبت هذا الشعور الكامن في قلوب المصريين جميعا وأيقظت الوعي الوطني بعد طول سباته إذ كان معظم المصريين حتي ذلك اليوم يحسنون الظن بالإنجليز ويجهلون خبايا ساستهم وسوء نوايهم حتي أن البعض كان يقول إنهم قوم معقولون سينتهون برد استقلالنا إليناو وباجلاء عن بلادنا، ولا أراني في حاجة إلي وصف ذلك الحادث البشع فقد سجله التاريخ بمداد الخزي والعار.
بعد حادثة دنشواي بقيت تلك الشرارة ملتهبة في القلوب وظلت كذلك مدة
عشر سنوات تسري تحت رماد الوعود الخلابة، وما انتهت الحرب العالمية الاولي حتي اندلعت تلك الشرارة ثانية إثر ظهور نوايا الإنجليز الاستعمارية، فلم نر مصر يوما أجل من ذلك اليوم الذي ثار فيه أبناؤها في طول البلاد وعرضها، وهبت مصر هبة رجل واحد في وجه المغتصب الغاشم لاسترداد استقلالها والذود عن كيانها.
وأذكر أن المرأة لن تكن أقل غضبة من الرجل، وثورة لحقوق بلادها، وغيرة عليها، مع أنها كانت مكبلة بقيود تلك التقاليد التي كانت تحول دون اشتراكها في هذه الثورة، وأندفعت إلي ميدان الجهاد بشجاعة وجرأة تنادي باستقلالها بلادها فمات من النساء من مات وأخذ إلي السجن منهن من أخذ ففكر لفيف من السيدات في تشكيل لجنةلتوحيد صفوفهن وتشكلت لجنة مركزية كان لي شرف رياستها وعملت تلك اللجنة علي تنظيم صفوف المرأة في هذا الجهاد العظيم.
ولما قام الإنجليز يصبون نيرانهم علي الثائرين قررت اللجنة إعداد مظاهرة كبيرة يخرج فيها النساء برغم قيام الاحكام العرفية التي تحرم المظاهرات وتعرض القائمين بها لرصاص الجيش والي مايتبع ذلك من عقوبات المسجد والتعذيب.
هذا كله لم يثن من عزم نساء مصر، فطلبت لجنتنا من السلطة المختصة الاذن لهذه المظاهرة السلمية فرفض طلبها ولكننا قررنا القيام بالمظاهرة رغم ذلك حسب الخطة التي وضعناها وهي أن نبدأ السير من منتزه قصر الدوبارة القريب من المفوضية الامريكية لنقدم لها احتجاجنا أولا.
وبينما كنت أتأهب لمغادرة منزلي في ذلك اليوم للاشتراك في المظاهرة بادرني زوجي بالسؤال: 'إلي أين تذهبين والرصاص يدوي ويتساقط في أنحاء المدينة؟ فأجبته: 'القيام بالمظاهرة التي قررتها اللجنة، فآراد أن يمنعني فقلت له: 'هل الوطنية مقصورة عليكم معشر الرجال فقط وليس للنساء نصيب فيها؟ ، فأجابني: وهل يرضيك إذا تحرش بكل الانجليز أن يفزع بعض النساء ويولولون يا أمي يالهوتي!، فقلت له: 'إن النساء لسن أقل منكم شجاعة أيها الرجال ولا غيرة قومية'.
وتركته وانصرفت، ولحقت بالسدات اللاتي كن في انتظاري وغادرنا عرباتنا وشكلنا مظاهرة نسائية منظمة تحمل الشابات فيها لافتات كتبت عليها عبارات وطنية وحمل بعضهن أعلام جميع الدول إلا علم انجلترا.
سارت المظاهرة في جلال قاصدة المفوضية الامريكية أولا حسب البرنامج وكانت تقابل من الجمهور بالتصفيق وتنثر عليها الازهار من نوافذ المنازل وعلمنا أنه أمام قنصلية فرنسا وقف جمهور من الفرنسين ومعهم باقات الزهور استعدادا لتحيتنا وكان المقرر أن نمر بها وبباقي المفوضيات وتنتهي ببيت سعد، ولكن للأسف عندما وصلت المقدمة إلي شارع سعد زغلول دهشت أذ رأيت الموكب يتحول عن الخطة المرسومة قاصدا بيت سعد أولا، فأرسلت إلي الدليلات أذكرهن بالاتجاه المتفق عليه فقلن إنه في آخر وقت فضل بعض سيدات المقدمة أن تبدأ المظاهرة من بيت سعد.. ولا أدري إن كان هناك تدبير مبيت لذلك لأننا عندما وصلنا بين سعد وجدنا أنفسنا محاضرات بالجيش البريطاني فكأنه كان في انتظارنا هناك! ولما أردنا اقتحام صفوفهم تحرش بنا الجنود وارتكز أحدهم وصوب بندقيته تحوي فتقدمت إليه وإذا بإحدي صديقاتي تسحبني من الخلف فلت لها بصوت مسموع: 'أتركيني فإني أريد أن تقع في مصر اليوم (مس كافيل) أخري، فلما سمع الجندي هذا الاسم خجل وقام.
حاولنا بعد ذلك أن نشق صفوف المحاضرين، وعندما بدأنا السير أمسكتني إحدي زميلاتي وصاحت قائلة: 'تذكري أن الجنود إذا تحوشا بنا ثانية فإن
أولادنا هؤلاء المحيطين بنا لن يسكتوا وفي ذلك الحين تقع مجزرة نكون نحن المسئولات عن دماء أبنائنا فيها.. عندئذ تنبهت وتصورت فظاعة ماقد يقع فعدت الي رشدي ووقفنا نحو ثلاث ساعات تحت حرارة الشمس المحرقة ومن حولنا أبناؤنا الطلبة يواسوننا بعبارات التشجيع والتقدير.
وبعد مضي هذه الفترة وجدنا أنفسنا محوطات بجنود مصريين بدلا من الانجليز وعرفنا أن السبب في ذلك هومعرفة دار المعتمد البريطاني بأن وزير أمريكا سمع أستغاثة الطلبة لامهاتهم المتظاهرات فقصد بنفسه الي المكان ليري بعينيه كيف تحاضر بريطانيا السيدات المصريات! فأشفق الانجليز علي موقفهم وانسحبوا علي الطريقة الانجليزية.
وقد خلد شاعرالنيل المرحوم حافظ بك إبراهيم هذه الموقعة بقصيدته المشهورة
إعداد :محمود الورداني
|
|
|
|
 |