 |
|
16 | السنة - | 857 | ه - العدد | 1428 | شعبان | من | 26 | - م | 2008 | أغسطس | من | 27 | الأربعاء |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
12:47:43 PM |
 |
الساعة - |
 |
8/27/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
|
|
بلال بن رباح.. مؤذن الرسول
كيف دخل الإسلام إلي قلبه وأصبح من المسلمين الأوائل؟
مأمون غريب
إذا ذكر بلال بن رباح، ذكر علي الفور أنه كان مؤذن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وذكرت كلماته وهو يعذب أشد العذاب علي رمال الصحراء الملتهبة أحد.. أحد.. وقد اصبح هذا الشعار الذي كان يجابه به بلال العذاب، شعارا
للمؤمنين في قتالهم في غزو بدر الكبري التي غيرت مسار التاريخ الإسلامي كله.
بلال بن رباح عبد حبشي.. كل ما يعرفه عنه التاريخ أن والده الحبشي كان اسمه رباح، وأن رباحا هذا قد تزوج من جارية حبشية اسمها (حمامة) وانهما كانا عبدين لخلف بن وهب، وأنهما أنجبا بلالا، وكان من الطبيعي أن يخدم بلال سيده امية بن خلف بعد ان مات خلف بن وهب، وان يقوم برعي غنمه وأبله، ويشرف في نفس الوقت علي بقية عبيد امية بن خلف من قبيلة بني قمح.
كان من الممكن أن يظل بلال بن رباح عبدا لأمية هذا، لا يأبه به أحد، فشأنه شأن كل العبيد الذين يعيشون بلا حقوق، بل عليهم تنفيذ أوامر سادتهم بلا مناقشة، وتنتهي حياته كما تنهي حياة أي إنسان، دون أن يترك أثرا يذكر من قريب أو بعيد ثم لا يليث ان يطويه النسيان، لولا أن حدثا من أهم الأحداث التي مرت علي دنيانا قد حدث ، وغير مسار الإنسانية كلها، وسلك بالبشرية طريق الخير والنور، وأفصح عما نادي به من التوحيد الخاص، وقيم الحق والخير والجمال والعدالة الإنسانية.. وهذا الحدث الخطير الذي سوف يكون نور هداية للناس إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها هو الإسلام.


كانت الحياة في شبة الجزيرة العربية قبل الإسلام حياة ممللة رتيبة، ليس فيها جديد يردي، فلا أحاديث إلا عن الثأر أو ما يقال من أشعار في أسواق مكة وغيرها من أسواق العرب، وربما يتناول أحاديث الناس ما قصته بعضهم من روايات وحكايا عما يحدث في أسواق اليمن أو أسواق الشام في الرحلات التي يقومون بها في رحلتي الشتاء الي اليمن أو رحلة الصيف إلي الشام، أو قد يتطرق الحديث إلي عبادتهم للأصنام حول الكعبة.. أما المنحرفون منهم فيتحدثون عن أصحاب الرايات الحمر، وهي دور البغاء في الجاهلية.. أحاديث فاترة مملة لاتحمل جديدا.. إلي أن حدث هذا الحدث الذي قلب حياة مكة رأسا علي عقب، عندما سمعوا عن هذه الدعوة الجديدة التي ينادي بها محمد بن عبدالله.. يسفه فيها الأصنام وعبدة الأصنام، ويدعو إلي دين جديد لايفرق بين السادة والعبيد، ينادي بالتوحيد الخاص فالله سبحانه وتعالي هو خالق الوجود، ويعرف خبايا النفوس، ويحاسب الناس يوم القيامة بمافعلوه من خير أو اقترفوه من إثم، وإن المجرم لن يفلت من العقاب.
وهاجت مكة وقامت قيامتها.. إن محمدا يسفه معتقدات الأجداد في عبادة أصنام صماء بكماء عمياء لاتنفع ولاتضر، ولا تعي ما حولها.. ثم كيف يتساوي السادة بالعبيد؟


صحيح أنه كان في شبة الجزيرة العربية من بعد عن عبادة الأصنام، ودخل في المسيحية كورقة ابن نوفل، ولكن هؤلاء الذين بعدوا عن عبادة الأصنام لم يدعو غيرهم الي ما اعتقدوه، ولم تعقد دعوتهم إلا أشخاصهم، أما محمد بن عبدالله فإنه يدعو الناس الي تغيير معتقداتهم، ونبذ الأصنام.. وكانت العرب رغم الوثنية المنتشرة فيها، يؤمنون بالله، ويرون أن هذه الأوثان تقريهم الي الله.. وكانوا كما قال الله تعالي عنهم:
'ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله'.
لم تكن شبة الجزيرة العربية وحدها التي بليت وغرفت في أحاول الوثنية، بل عم الظلام ما حرك من شعوب وامبراطوريات انحرفت عن الفطرة السليمة، ومن هنا كان لابد من رسالة جامعة تعيد للإنسانية رشدها، فكانت الرسالة المحمدية رسالة للإنسانية كلها.


علي كل حال.. لقد جلس بلال بن رباح ذات صباح او ذات مساء، وهو يسمع حديث آل جمح الذي يعمل رقيقا عندهم، عن الأمين.. محمد عبدالله وما جاء يدعو اليه، وان يسقه عقول اهل مكة الذين يقدسون آلهة صحاء لاتعي شيئا عن نفسها أو من حولها، وانه جاء يبشر بالتوحيد الخالص، وان بعد هذه الحياة هناك الحياة الآخرة الذي يناب فيها المحسنون فاقدموا من عمل صالح ويعذب فيها الكافرون بما قدمت ايديهم من اساءات.. استمع بلال الي هذه الأقوال، وهو يعرف معرفة تامة ان محمدا بن عبدالله سموه في مكة الأمين، وانه ما عوهد عليه كذب قط، وما رآه احد قط يعظم هذه الإله ان يذكرها بخير.. كل ما يعرفه عنه انه انسان اكتملت فيه مكارم الأخلاق، وانه محبوب من الجميع فكيف انقلبت عليه مكة، ورموه بما ليس فيه؟!
.. لقد لامس نور السماء قلب بلال، وشعر بانه لابد ان يذهب الي محمد عليه الصلاة والسلام ويسمع منه، ويعرف حقيقة ما يدعو اليه. وذهب بلال الي رسول الله، وشرح الله صدره للايمان فآمن، وشعر بطمأنينة فملأ قلبه ونور الايمان يسري في كيانه.. إن محمدا يدعو إلي التوحيد الخالص، ويدعو الي الايمان بخالق الوجود، ويدعو في نفس الوقت الي مكارم الأخلاق الذي يجب ان يتحلي بها المسلم.
خرج بلال من عند الرسول منشرح الصدر، وهو يشعر بكل جلال الايمان وشموخه، وانه وجد نفسه في هذا الدين الجديد.


والدين الجديد له عباداته، ومكانته واول هذه العبادات هي الصلاة.. وكانت الصلاة في اول امرها تصلي ركعتين.، وتصلي مرتين.. مرة في الصباح والآخري في المساء.. قبل الشروق وقبل الغروب.
ويروي احد التجار الذين زاروا مكة.. وهو يحيي بن عفيف قال:
'جئت زمن الجاهلية الي مكة، فنزلت علي العباس بن عبدالمطلب. فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وانا انظر الي الكعبة، اقبل شاب، فرمي ببصره الي السماء، ثم استقبل الكعبة فقام يستقبلها، فلم يلبث حتي جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتي جاءت امرأة، فقامت خلفهما، فركع الشاب،.. وركع الغلام والمرأة.، فرفع الشاب، وركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه.
فقلت: ياعباس امر عظيم.
فقال: اتدري من هذا؟
فقلت: لا
فقال: هذا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ابن اخي.
اتدري من هذا الغلام؟
قلت: لا
قال: هذا علي بن ابي طالب
اتدري من هذه المرأة خلفهما؟
قلت: لا
قال: هذه خديجة زوج ابن اخي.
وهذا حدثني ان ربك رب السموات والأرض امر بهذا الذي تراهم عليه. وايم الله وما اعلم علي ظهر الارض كلها احدا علي هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة وكانوا الثلاثة المطهرين السابقين الي الاسلام ومعهم زيد بن حارثة فكان الرابع.


هذا النور الذي خرج من بيت النبوة مس قلب هذا العبد الحبشي الأسود البشرة.. النحيف.. الطويل القامة نشعر بما شعر به من جمال الايمان.
واحس 'امية بن خلف' بان بلال قد دخل الاسلام، وآمن بما ينادي به محمد فطلب منه العودة الي عبادة الأصنام.. فرفض بلال، فما كان منه الي ان امر غلمان ان يضعوه عاريا علي رمال مكة المحرقة، ويضعون علي صدره الحجارة، ويجرده فوق هذه الرمال المحرقة.. ولكن كل هذا العذاب لم يجد معه، فلا هو ارتد عن الإسلام، ولا هم ترفقوا به، بل كان يقابل كل هذا العذاب بقوله الخالد: أحد.. أحد.. أي ان الله واحد احد.
ومر به ابوبكر الصديق وهو يعذب كل هذا العذاب الذي فوق طاقة البشر، فقال لأمية الا تتقي الله تعالي في هذا المسكين.. حتي متي؟
قال له أمية:
انت الذي افسدته فانقذه مما تري قال ابوبكر:
افعل.. عندي غلام اسود اجلد منه واقوي علي دينك اعطيكه به.
قال أمي:
قبلت.
وهكذا عرفت الحرية طريقها الي بلال، فقد اعنقه ابوبكر.. واصبح حرا يعبد الله كما يشاء.. ويلازم اعظم رسل السماء، وهو الذي قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما بعد وعن الصديق:
أبوبكر سيدنا.. واعتق سيدنا (يقصد بلال بن رياح'.
وإلي العدد القادم
|
|
|
|
 |