ملكة تبحث عن عريس !
احدث إبداعات رجاء النقاش فى كتاب اليوم لشهر نوفمبر..
 هل تعرف الشروط الغريبة التى وضعتها حكومة إنجلترا لزواج الملكة " فيكتوريا " ؟
وما هى المرأة التى أعجبت احمد بهاء الدين ؟ وكيف بدأت مقدمات الثورة الفرنسية الكبرى من غرفة نوم مارى انطوانيت زوجة لويس السادس عشر ملك فرنسا ؟
هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الكاتب الكبير رجاء النقاش فى كتابه الجديد " ملكة تبحث عن عريس " الصادر عن سلسلة " كتاب اليوم " التى ترأس تحريره الأديبة والكاتبة الصحفية نوال مصطفى . فى شهر نوفمبر , وكما يقول رجاء النقاش فى مقدمة كتابه فإن البطل الأساسي فى هذا الكتاب هو المرأة .. المرأة التى تعمل , والمرأة التى تضحى , والمرأة المليئة بالأسرار , والمرأة لتى تحب الرجال , والمرأة التى لا تحب الرجال , وغير ذلك من ألوان النساء اللاتى تقرأ عنهن فى كتب الأدب أو كتب التاريخ أو اللواتى نعرفهن ونراهن أمامنا يعملن ويقتحمن الحياة ويحاولن مواجهة الدنيا بسحرهن أو بذكائهن أو بما يملكن من حيلة وبعد نظر , والحقيقة ان هذه الصور والحكايات التى ابطالها سيدات وأنسات من كل الألوان وكل الازمان وكل البيئات , إنما تستطيع ان تقول لنا شيئاً واحداً لاشك فيه عند الجميع , وهو ان المرأة هى الحياة , فكل مشاعر الإنسان ترتبط بالمرأة , وكل التجارب والمشاكل تبتدى بالمرأة وتنتهى إليها ..
فعندما بلغت الملكة " فيكتوريا " سن الواحدة والعشرين أخذت تبحث عن " عريس " يصلح زوجاً لها , فقيود منصبها كملكة لانجلترا لا تسمح لها أن تختار عريسها على هداها مثل أي فتاة أخرى قد تكون فلاحة بسيطة أو عاملة فى مصنع , فهذا الزوج سوف يكون ابأً لابناء
" فيكتوريا " وهؤلاء الأبناء سوف يرثون العرش ويتولون السلطة العليا فى البلاد فلابد ان الزوج حاصلاً على رضاء الحكومة الإنجليزية وأن يكون يكون خاضعا للشروط القاسية لهذه الحكومة والتى ينبغى ان تتوفر فى " عريس الملكة " .
ولنستمع إلى بعض الشروط التى وضعها رئيس الوزراء " ملبورن " للعريس الذى يليق بالملكة كما جاء على لسانه فى مسرحية الكاتب الإنجليزي " لورنس هاوسمان " والترجمة هنا للكاتب الكبير الراحل عباس العقاد .
يقول رئيس الوزراء للملكة : ان المزايا التى يمتاز بها العريس الذى يليق بجلالة الملكة هى ولاريب مزايا فريدة أو مزايا خاصة , بل يجب أن تكون مزايا غريبة , فمن الواجب أولا أن يكون من سلالة ملكية , ومع هذا لا يجب ان يكون وارثاً مباشراً أو مرجحاً لعرش من العروش , لان وراثته ربما أدت يا مولاتى إلى بعض المشاكل السياسية , والعريس اللائق بصاحبة الجلالة ينبغى أن يكون اميراً من بيت لا هو الصغير المفرط فى الصغر , ولا هو بالخطير المفرط فى الخطر , إذ لابد أن نتجنب الخلافات المعقدة , وينبغى على هذا العريس ان يكون من أبناء العقيدة " البروتستانتية " وهى عقيدة الانجليز , فليس فى مقدرك ان تتزوجى " كاثوليكيا " , فقانون البلاد يمنع ذلك , ثم ينبغى أن يكون العريس شاباً حتى يصبح شريكاً مناسباً لصاحبة الجلالة , وينبغى ان يعرف اللغة الإنجليزية وان يتعلمها أن لم يكن يعرفها , وان يكون صالحاً لاقتباس العادات والتقاليد الإنجليزية وهذه الصفة هى اصعب الصفات كما هو معروف من تحرج الانجليز مع الأجانب , أي انهم لا يحبون الأجانب ولا يسمحون لهم بالاختلاط معهم .وان يكون على جانب من الذكاء ولكن على غير جانب عظيم منه إذ انه لو كان عظيم الذكاء فسوف يتدخل فى الأمور السياسية وهذا ممنوع .
كذلك يجب أن يكون صحيح الجسم سليم التكوين , منحدراً من اصل أصيل , .. وهذا اصعب ما يواجهنا الان فى اختيار العريس المناسب لجلالتك إذ أن الأصل الأصيل فى الأسر الأوروبية يعتبر من اندر الصفات !
ولقد انتهت القصة الواقعية بان اختارت الملكة ابن خالها الأمير " البرت " وتزوجته سنة 1840 وكانت تحبه حباً شديداً , أنجبت منه تسعة أبناء وبنات , وعندما توفى زوجها سنة 1861 وكانت فى الثانية والأربعين رفضت أن تتزوج بعده , ولبست عليه ثوب الحداد طوال السنوات الأربعين التى عاشتها بعده .
وهكذا انتصرت الملكة فيكتوريا على القيود الكثيرة الصعبة التى كانت موضوعة أمامها وهى تختار العريس الذى يناسبها ويطفئ ظمأ قلبها وحرارة عواطفها وليس العريس الذى يرضى رئيس وزارتها ويتفق مع شروطه القاسية التى حاول فرضها على الملكة وهى تختار عريسها.
وذات يوم طلبت قارئة ذكية من احمد بهاء الدين أن يروى لها قصة امرأة عظيمة .. وكأن هذه القارئة كانت تقول لبهاء : قل لنا من هى المرأة التى تعجبك والتى ترى إنها نموذج ناجح فى الحياة العامة وفى الزواج والأسرة والبيت , وقد أجاب احمد بهاء الدين على هذه القارئة فى دراسة طويلة ممتعة تحت عنوان " رسالة إلى قارئة مجهولة " . وفى مقدمة هذه الرسالة يقول بهاء , الحب والجسد .. يكفى فى شأنهما بضع كلمات , ولقد روى افلاطون فى إحدى محاوراته أسطورة تقول , ان الإنسان كان فى مبدأ الأمر جنساً واحداً , لكن الاله الاكبر
" زيوس " غضب على البشر ’ فشطر كل مخلوق إلى شطرين وجعلهم ذكراً وأنثى .. فالإنسان حين يحب انما يستعين سعادته على التقائه بنصفه الآخر المكمل له . أي أن الحب رغبة فى الاكتمال والحب الناجح او الزواج الناجح هو الذى يتحقق به هذا التكامل , ثم أعطي بهاء نموذجاً للمرأة التى أعجبته فى زواجها وفى حياتها العامة معاً , إنها الكاتبة والباحثة والمناضلة الإنجليزية " بياتريس ويب " 1858 – 1943 – والتى أعجبه فيها شجاعتها وعدم خضوعها لتقاليد جامدة فى أسرتها الأرستقراطية , وانطلاقها الحر لخدمة الملايين من أبناء مجتمعها المحتاجين إلى من يدافع عنهم ويحقق لهم امالهم فى العدالة الاجتماعية بقوة القانون .
أعجبه فيها ايضاً إنها كانت صادقة مع نفسها فى اختيارها العاطفى لزوجها " سيدنى ويب " أحد زعماء الجمعية النقابية التى كانت تناضل من اجل حقوق العمال والطبقات الفقيرة وقد نجحا مع زملائهما فى تأسيس حزب العمال البريطانى , وقد أثبتت الأيام أنه كان يستحق حبها وتقديرها , وعاشت معه نصف قرن من الزمان وكانت راضية سعيدة مؤمنة بكل لحظة قضتها معه فى حياتها الخاصة أو حياتها العامة .
وكان لويس السادس عشر ولياً لعهد فرنسا وهو فى الثانية عشر من عمره سنة 1766 عندما فكر جده الملك لويس الخامس عشر فى أمر زواجه واستقر رأيه على ان يختار له اميرة من اميرات النمسا وذلك لانهاء الصراع الطويل بين الدولتين بعد ان يئس الطرفان من ان يتغلب أحدهما على الآخر .
فالزواج السياسى كان فى العصور القديمة أحد الأساليب القوية لحل المشاكل والتغلب على الازمات المستعصية , ولكن هذا النوع من الزواج ثبت خطأه فى كثير من الحالات , ألانه زواج مصلحة وصريح , وزواج المصلحة يخالف الأصول الإنسانية الصحيحة للزواج الناجح الذى يجب ان يقوم على الحب والتعاطف الحقيقى بين الزوجين , أما إذا قام الزواج على المصلحة حتى لو كانت " مصلحة عليا " كما يقال فى لغة السياسة فانه لابد ان يكون محفوفاً بالمصاعب , ولابد ان يؤدى إلى التعاسة التى لا تخطر على بال الذين يدبرون أمثال هذا الزواج الخاطئ .
وهذا ما حدث فى زواج لويس السادس عشر من الأميرة النمساوية مارى انطوانيت , فبعد أن تم الزواج بالفعل عام 1770 وكان عمر مارى انطوانيت آنذاك 15 سنة واما زوجها ولى عهد فرنسا فكان 19 عاماً , وكانت الليلة الأولى لهذا الزواج مصدر إزعاج وقلق واسع فى الأسرتين الحاكمتين فى باريس وفيينا , حيث فوجئت العروس الجميلة إن زوجها يعانى من عجز واضح وفادح , وهكذا لم يكن الزواج كاملاً ولم يكتمل فى الغد ولا خلال السنين الأولى للزواج وظلت الزوجة الفاتنة كما هى " عذراء " ولم تعرف ماذا تفعل وتستمر المأساة على حالها عاماً بعد عام دون أن يطرأ أي تغيير على هذا الوضع الشاذ
وولى العهد يبدى المزيد من الرقة نحو زوجته الفاتنة ويحدد دون انقطاع زيارته الليلية لها وتبوء كل محاولاته بالفشل كأن سحراً ملعوناً أو اضطراباً خفياً ان يحول دون نجاحه فى علاقته الزوجية الطبيعية وخلال السنوات السبع التى عانى فيها لويس السادس عشر من العجز الجنسى الصريح أمام زوجته مارى انطوانيت قبل أن يجرى عملية جراحية أعادت إليه رجولته الغائبة وكان هناك أزمة دولية هزت عرش فرنسا والنمسا معاً . فقد كان الملوك والأمراء فى كل بلاطات أوروبا يضحكون ويهزلون فى مجالسهم ورسائلهم من لويس السادس عشر .
وفى داخل فرنسا تحولت المأساة المحزنة إلى أغان شعبية انتشرت فى كل مكان , واصبح الجميع يرددون هذه الأغاني التى تسخر من الملك والملكة ويوماً بعد يوم اتسع نطاق الأغاني الشعبية التى تتناول هذه القصة وانقلبت هذه الأغاني إلى أشعار فاحشة وكانت وكانت السيدات فى البدء هن اللواتي يتناقلن هذه الأشعار التى ما لبثت أن أخذت طريقها إلى الشارع فيتم طبعها وتوزيعها على أفراد الشعب .
وفى الحقيقة لم يبدأ تحطيم الهيبة الملكية فى فرنسا مع سقوط سجن الباسيتيك وانما بدأ بهذه القصة الزوجية فى قصر فرساى , وهذا الرأى فى تحديد بذور الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789 هو رأى الكاتب المبدع ستيفان زفايج .
وهكذا مع باقى الصور والحكايات التى أبدعها رجاء النقاش فى كتابه " ملكة تبحث عن عريس " تظل المرأة هى البطل الأساسي , فيحدثنا عن تلك المرأة القوية التى لم تعرف الشكوى والبكاء طوال حياتها رغم ما مرت به من الآم وهى ايفا براون عشيقة هتلر التى طلبت منه أن يتزوجها لليلة واحدة هى ليلة انتحارها وكذلك زوجة مساعده ووزير إعلامه جوبلر التى طلبت المساعدة لكى تقتل أولادها الستة . وعن سميرة موسى عالمة الذرة المصرية التى غلبت الرجال فى هذا المجال ولقيت حتفها فى ظروف غامضة فى أمريكا وأيضا حكاية أول ثلاث ممثلات عربيات فى مصر وكانت مسلمة ومسيحية ويهودية , وغيرها من الصور التى تؤكد ان المرأة هى الحياة والموت ايضاً .
|
|