حالة من الارتياح النفسي سيطرت علي كل محبي ومشجعي كرة القدم بتحرك الاتحاد السكندري والترسانة نحو المنطقة الدافئة قليلا في جدول الدوري والابتعاد نسبيا عن شبح الهبوط وهو الأمر الذي كان يزعج ويقلق محبي الفريقين سواء من مشجعيهم أو من غير مشجعيهم نظرا للتاريخ العريق للفريقين الذين عودانا علي الانتصارات والتألق.. تحية من القلب لكل من الكابتن طه بصري الذي تولي أمور الاتحاد في ظروف صعبة جدا وتحية ايضا للكابتن فاروق جعفر الذي أتمني الا يدع الترسانة تصل إلي حافة الهاوية مرة أخري.
الأشياء الصغيرة تصنع الأمم الكبيرة!
جلست أنا والصديق العزيز الصحفي الكبير الاستاذ فتحي سند رئيس تحرير أخبار الرياضة نتجاذب أطراف الحديث حول زيارتي الاخيرة لتركيا.. سألني الكابتن فتحي عن أهم ما لفت نظري في المجتمع التركي خلال الزيارتين اللتين قمت بهما لتركيا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.. قلت له: شعرت أن التقدم الذي تعيشه تركيا لم يأت من فراغ، كما أنه مبني علي سلوكيات وأشياء صغيرة يمارسها الأتراك يوميا في حياتهم ونفتقدها نحن في حياتنا!! سألني الكابتن فتحي: مثل ماذا؟ قلت: عشق علم بلدهم.. قال: كيف؟.. قلت: أينما تولي وجهك تلاحظ أن العلم التركي يرفرف.. فوق أسطح المباني وعلي زجاج شبابيك وبلكونات البيوت وعلي زجاج المحلات وتراه معلقا علي زجاج سيارات الاتوبيس والميكروباصات.. الغريب أنني رأيت إحدي السيدات وقد زرعت العلم في زهرية جنبا إلي جنب مع الزهور التي زرعتها في بلكونة بيتها.. وقد حكي لي صديقي الدكتور أحمد عبدالعال الملحق الثقافي المصري في اسطنبول كيف أنهم أيضا يعشقون السلام الوطني.. ويروي لي كيف أنه كان يتابع من بلكونة بيته المواجهة لأحدي المدارس التركية طابور الصباح في المدرسة.. وفي طابور الصباح يحيون العلم ويعزفون السلام الوطني كما كان عندنا في المدارس.. وقد لاحظ صديقي الدكتور أحمد كيف أنه لاحظ أن أحد المواطنين الاتراك الذين كانوا يسيرون في الشارع خارج سور المدرسة قد تثبت في مكانه وظل بلا حراك أثناء عزف موسيقي النشيد الوطني التركي داخل أسوار المدرسة، وكيف ظل يغني النشيد وكأنه تلميذ من تلاميذ المدرسة.
أنه لم يبدأ في الحركة الا بعد انتهي عزف النشيد الوطني.. قمة الانتماء والحب للبلد الذي يعيشون فيه.
قال الصديق العزيز فتحي سند: وماذا لفت نظرك أيضا؟ قلت: إن هناك موعدا محددا هو العاشرة مساء تغلق فيه المراكز التجارية أبوابها ولاتظل مفتوحة سداح مداح كما يحدث عندنا حتي الساعات المتأخرة من الليل وبعضها يستمر إلي وقت يقترب من الفجر!!.. يحدث هذا لسببين هامين جدا أن تركيا تعاني من أزمة حقيقية في الطاقة لذلك فهم يحافظون علي طاقة الكهرباء التي لديهم ولايهدرونها، وطبعا أنا لست في حاجة إلي مقارنة الوضع عندنا في موضوع الطاقة التي نهدرها دون أدني احساس وخاصة طاقة الكهرباء التي نتعامل معها بسفه لدرجة أننا نترك أعمدة الإنارة في الشوارع ليل نهار دون ضابط أو رابط ودون وازع من ضمير ولانحسب حساب المستقبل وندخر طاقتنا ليوم قد لانجدها فيه!!
وما يحدث في مجال توفير الكهرباء يحدث أيضا في المياه، ولم أصدق عيني وأنا داخل دورة المياه في مطار اسطنبول وأنا أقرأ عبارة مكتوبة بشكل واضح باللغة التركية واللغة الانجليزية تقول 'ساعدنا من فضلك في توفير المياه'، وهي دعوة صريحة للاقتصاد في استهلاك المياه.. ضحك صديقي فتحي وهو يقول لي: طبعا تلاقيك وأنت تقرأ هذه العبارة قد تذكرت شكل خراطيم المياه التي نستخدمها بسفه في رش المياه في الشوارع وفي ري الحدائق وأيضا حنفيات المياه التي تظل 'تدردب' داخل البيوت مع أنها تكون فقط في حاجة إلي جلدة بتعريفة.. قلت لرئيس التحرير: هذا فعلا هو ما خطر بذهني رغم أن رسولنا صلي الله عليه وسلم أمرنا بالاقتصاد في استهلاك المياه حتي في أثناء الوضوء وألا نسرف في استهلاكها 'ولو كنت علي نهار جار'.. وطبعا نحن في مصر علي نهر جار نسيء استخدام مياهه ونلوثه ونلقي فيه القاذورات ومخلفات المصانع والحيوانات النافقة ولانفكر لحظة وهذا غباء مدقع أن هذه المياه التي تلوثها هي التي نشربها عن طريق صنابير المياه!!
وحتي لا أنسي السبب الثاني في اغلاق المراكز التجارية والمحلات في العاشرة مساء وهو أنه حتي لو ظلت هذه المراكز والمحلات مفتوحة فسوف تخسر خسارة فادحة لأنها لن تجد ذبونا واحدا لأن الناس هناك تنام مبكرا استعدادا لبدء يوم عملها في همة ونشاط لأنهم بالفعل يعملون ويعملون بإخلاص، ولو أنهم كانوا مثلنا يسهرون أمام التليفزيون حتي الصباح وكانوا قد وصلوا إلي حالة التقدم التي وصلوا إليها في تركيا حتي أنهم الآن يمتلكون من الصناعات والمنتجات التي يزاحمون بها المنتجات الأوروبية والأمريكية.. وعلي فكرة فإنني قد لاحظت أن قنوات التليفزيون التركي محترمة جدا جدا جدا وأقصد بها القنوات الحكومية التي تدخل البيوت وتشاهدها الأسر علي عكس ما يتخيل ضعاف النفوس عندنا ويجرون وراء القنوات التركية التي تذاع علي القمر الأوروبي والتي تعرض أفلاما وبرامج خليعة تثير الغرائز وهي قنوات خاصة ملك لشركات وأفراد هدفها الربح فقط من خلال الاعلانات التي تذاع خلال هذه الأفلام 'الهشك بشك'.. يعني التليفزيون التركي محترم جدا وثري جدا بالبرامج المفيدة والنشرات والتحليلات الاخبارية الراقية جدا.
ورغم مساحة الحرية الموجودة في تركيا إلا أنه لايسمح لقنوات التليفزيون ببث أفلام يمكن أن تخدش الحياء في بعض المشاهد الا بعد منتصف الليل، وبما أن الناس في تركيا كما هو الحال في كل أوروبا وعند الشعوب التي تعمل بالفعل لكي تتقدم أكثر وأكثر يكونون في سابع نومه ويشخرون علي الآخر استعدادا ليوم عمل جديد أي أنهم لايشاهدون هذه البرامج.. أما الشعوب التي تعيش حالة من التخلف العقلي والفراغ والتوهان فهي التي تهتم بمشاهدة الأفلام التركية وغيرها.
وأكثر ما لفت نظري طابور طويل من التاكسيات يقفون بجوار الرصيف، وعلي الرصيف يوجد كشك يجلس به أحد الأشخاص يعلق خلف ظهره مجموعة كبيرة من الصور الشخصية؟ ولما سألت الصديق العزيز الدكتور أحمد عبدالعال عن هذا الكشك وهذه الصور، قال ان هذا الكشك هو مقر ادارة موقف التاكسيات في منطقة بشكتاش وهي منطقة كبيرة تتضمن عدة أحياء ويوجد بها نادي بشكتاش الذي كان يلعب له أحمد حسن نجمنا المصري المحترم جدا جدا والذي انتقل إلي اندرلخت وأدي فيه أداء عاليا إلي أن قرر العودة إلي مصر واختار الفانلة الحمراء لتكون الفانلة الأخيرة التي يختتم بها حياته الكروية.. نرجع لموضوع التاكسيات من تاني.. سألت الدكتور أحمد ملحقنا الثقافي المحترم في اسطنبول عن الصور الموجودة في الكشك قال انها صور سائقي التاكسي الموجودين في المنطقة فإذا ما حدثت مشكلة بين سائق تاكسي وراكب، يذهب الراكب إلي ادارة موقف التاكسي فيتعرف علي سائق التاكسي من الصور الموجودة هناك، واذا ثبت أن سائق التاكسي قد تجاوز حدوده يكون العقاب الأليم.. تسحب فيه رخصة سياقه التاكسي مدي الحياة.. يعني ما فيش هزار.. فيه تربية حقيقية وردع حقيقي والقانون يفرض نفسه لذلك فنادرا ما تجد هناك من يتجاوز حدوده من سائق يالتاكسي.. طبعا أنا لست بحاجة إلي مقارنة سلوكيات كثيرا من سائقي التاكسيات والميكروباصات الذين هم بالفعل في حاجة إلي التربية من جديد، ولن يحدث ذلك الا بعقاب رادع بسحب الرخصة مدي الحياة حتي يعود الانضباط والاحترام إلي السلوكيات غير المقبولة من كثير من السائقين، هذا لايعني بالطبع ان عندنا سائقين محترمين ولكنهم للأسف قله!!
ابتسم صديقي فتحي سند وقال: ألم تلاحظ أن الأمور التي تتكلم فيها كلها بديهيات من المفترض أن تكون سلوكيات عادية تمارس بشكل روتيني وليست سلوكا مستغربا كما نتحدث عنه.. قلت: أنت علي حق ولكن للأسف فإن الصورة عندنا أصبحت مقلوبة تماما وهو ما جعل المجتمع كله مقلوبة ونتمني أن يأتي اليوم الذي 'ينعدل' فيه الحال.. قال رئيس التحرير: بس انت 'ياعم الشيخ' هكذا تعود أن يناديني الاستاذ فتحي لو كتبت هذا الكلام لقرائك في 'شبابيك مفتوحة' فسوف تسعدهم كثيرا.. قلت: لك هذا ياسيادة رئيس التحرير، ولكن قبل أن أكتب عليك أن تختار عنوانا يلخص كل هذا الحوار الذي أخذ منا ما يقرب من الساعتين قال: أكتب العنوان هكذا 'الأشياء الصغيرة تصنع الأمم الكبيرة'.. قلت: أصبت الهدف يارئيس التحرير..
يفرحون كما نفرح!!
شاء حظي خلال الزيارتين الأخيرتين لتركيا أن أري جماهير الكرة في الشوارع ترقص وترفع الأعلام احتفالا بفوز فريقها ببطولة من البطولات.. وخلال زيارتي الأخيرة كانت هناك مباراة مهمة بين نادييي 'فنار بخشة' وبشكتاش والتي فاز فيها بشكتاش بهدفين للاشيء..
وقد كانت بطولة الدوري معلقة علي هذه المباراة التي جاءت نتيجتها لصالح 'جالطا سراي' الذي خرجت جماهيره إلي الشوارع تحمل الأعلام احتفاء بفوزه بدرع الدوري التركي.. ورأيت الشباب من الجنسين يركبون سياراتهم وينطلقون في الشوارع يرفعون أعلام 'جالطا سراي' وطبعا لم يخل الأمر من شوية كلاكسات للفت الانظار والتعبير عن الفرح.. وكما يحدث عندنا رأيت باعة الاعلام يقفون علي الأرصفة لبيعها لمحبي ومشجعي 'جالطا سراي'.. انهم يفرحون كما نفرح ولكنهم بعد التعبير عن فرحتهم يعملون.. ويعملون بجد وهمة ونشاط من أجل الارتقاء ببلدهم أكثر وأكثر.